فهرس الكتاب

الصفحة 1909 من 2516

وأما الذين قالوا إنهم أثبتوا القديم ـ من الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم من الأشعرية والكَراية الذين استدلوا بحدوث الأعراض/ولزومها للأجسام، وامتناع حوادث لا أول لها، على حدوث الأجسام ـ فهؤلاء لم يثبتوا الصانع؛ لما عرف من فساد هذا الدليل حيث ادعوا امتناع كون الرب متكلمًا بمشيئته أو فعَّالا لما يشاء . بل حقيقة قولهم امتناع كونه لم يزل قادرًا . وأدلتهم على هذا الامتناع قد ذكرت مستوفاة في غير هذا الموضع، وذكر كلامهم هم في بيان بطلانها .

وأما كونهم عطلوا الخالق، فلأن حقيقة قولهم أن من لم يزل متكلمًا بمشيئته فهو محدث، فيلزم أن يكون الرب محدثًا، لا قديمًا . بل حقيقة أصلهم أن ما قامت به الصفات والأفعال فهو محدث، وكل موجود فلا بد له من ذلك، فيلزم أن يكون كل موجود محدثًا . ولهذا صرح أئمة هذا الطريق ـ الجهمية والمعتزلة ـ بنفي صفات الرب، وبنفي قيام الأفعال وسائر الأمور الاختيارية بذاته؛ إذ هذا موجب دليلهم . وهذه الصفات لازمة له، ونفي اللازم يقتضي نفي الملزوم . فكان حقيقة قولهم نفي الرب وتعطيله .

وهم يسمون الصفات أعراضًا، والأفعال ونحوها حوادث . فقالوا: الرب ينزه عن أن تقوم به الأعراض والحوادث . فإن ذلك مستلزِم أن يكون جسمًا . قالوا: وقد أقمنا الدليل على حدوث كل جسم . فإن/الجسم لا ينفك من الأعراض المحدثة ولا يسبقها، وما لم ينفك عن الحوادث ولم يسبقها فهو حادث .

وقد قامت الأدلة السمعية والعقلية على مذهب السلف،وأن الرب لم يزل متكلمًا إذا شاء، فيلزم على قولهم أنه لم يسبق الحوادث ولم ينفك عنها . ويجب على قولهم كونه حادثًا .

فالأصل الذي أثبتوا به القديم هو نفسه يقتضي أنه ليس بقديم، وأنه ليس في الوجود قديم . كما أن أولئك أصلهم يقتضي أنه ليس بواجب بذاته،وأنه ليس في الوجود واجب بذاته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت