فهرس الكتاب
والطريق التي قالوا بها يثبت الصانع مناقضة لإثبات الصانع . وإذا قالوا: لا يمكن العلم بالصانع إلا بها، كان الحق أن يقال: بل لا يمكن تمام العلم بالصانع إلا مع العلم بفسادها .
ولهذا كان كل من أقر بصحتها قد كذب بعض ما أخبر به الرسول مما هو من لوازم الرب، ونفي اللازم يقتضي نفي الملزوم .
والذين زعموا أنهم يحتجون به على حدوث الأجسام من جنس ما زعم أولئك أنهم يحتجون به على إمكان الأجسام . وكل منهما باطل . / ومقتضاه حدوث كل موجود وإمكان كل موجود، وأنه ليس في الوجود قديم ولا واجب بنفسه .
فأصولهم تناقض مطلوبهم . وهي طريقة مُضِلَّةٌ، لا هادية . لكن كما قال الله تعالى: { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } [ الزخرف: 36، 37 ] .
وأما الذين يقولون: نثبت الصانع والخالق، ويقولون: إنا نسلك غير هذه الطريق، كالاستدلال بحدوث الصفات على الرب . فإن هذه تدل عليه من غير احتياج إلى ما التزمه أولئك . والرازي قد ذكر هذه الطريق .
وأما الأشعرى نفسه، فلم يستدل بها . بل [ في اللمع ] ، و [ رسالته إلى الثغر ] ، استدل بالحوادث على حدوث ما قامت به، كما ذكره في النطفة بناء على امتناع حوادث لا أول لها . ثم جعل حدوث تلك الجواهر التي ذكر أنه دل على حدوثها هو الدليل على ثبوت الصانع . وهذه الطريق باطلة، كما قد بين .
وأما تلك فهي صحيحة، لكن أفسدوها من جهة كونهم جعلوا / الحوادث المشهود لهم حدوثها هي الأعراض فقط، كما قد بينا هذا في مواضع .
ثم يقال: هؤلاء يثبتون خالقًا لا خلق له . وهذا ممتنع في بداية العقول، فلم يثبتوا خالقًا .
والكَرَّامية، وإن كانوا يقولون: الخلق غير المخلوق، فهم يقولون بحدوث الخلق بلا سبب يوجب حدوثه . وهذا ـ أيضًا ـ ممتنع . فما أثبتوا خالقًا .