فهرس الكتاب
وأيضًا، فهؤلاء وهؤلاء يقولون: الموجب للتخصيص بحدوث ما حدث دون غيره هو إرادة قديمة أزلية . فالكَرَّامية يقولون: هي المخصص لما قام به وما خلقه . وهؤلاء عندهم لم يقم به شيء يكون مرادًا، بل يقولون: هي المخصص لما حدث .
والطائفتان ومن وافقهم يقولون: تلك الإرادة قديمة أزلية لم تزل على نعت واحد، ثم وجدت الحوادث بلا سبب أصلا . ويقولون: من شأنها أن تخصص مثلًا على مثل، ومن شأنها أن تتقدم على المراد تقدمًا لا أول له . فوصفوا الإرادة بثلاث صفات باطلة يعلم بصريح العقل أن الإرادة لا تكون هكذا . وهي المقتضية للخلق والحدوث، فإذا أثبتت فلا خلق ولا حدوث .
/ وكذلك القدرة التي أثبتوها وصفوها بما يمتنع أن يكون قدرة، وهي شرط في الخلق . فإذا نفوا شرط الخلق، انتفي الخلق، فلم يبق خالقًا، فالذي وصفوا به الخالق يناقض كونه خالقًا، ليس بلازم لكونه خالقًا . وهم جعلوه لازمًا، لا مناقضًا .
أما الإرادة، فذكروا لها ثلاثة لوازم، والثلاثة تناقض الإرادة .
قالوا: إنها تكون ولا مراد لها، بل لم يزل كذلك ثم حدث مرادها من غير تحول حالها . وهذا معلوم الفساد ببديهة العقل . فإن الفاعل إذا أراد أن يفعل، فالمتقدم كان عزمًا على الفعل، وقصدًا له في الزمن المستقبل لم يكن إرادة للفعل في الحال . بل إذا فعل فلابد من إرادة الفعل في الحال . ولهذا يقال: الماضى عزم . والمقارن قصد . فوجود الفعل بمجرد عزم من غير أن يتجدد قصد من الفاعل ممتنع . فكان حصول المخلوقات بهذه الإرادة ممتنعًا لو قدر إمكان حدوث بلا سبب، فكيف وذاك ـ أيضًا ـ ممتنع في نفسه ؟ فصار الامتناع من جهة الإرادة، ومن جهة تعينت بما هو ممتنع في نفسه .