وكذلك قال الثَّعْلَبي: ما تفرق الذين أوتوا الكتاب في أمر محمد فكذبوه إلا من بعد ما جاءتهم البينة ـ البيان في كتبهم أنه نبي مرسل . قال العلماء: من أول هذه السورة إلى قوله: { فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } ، حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين . { وَمَا تَفَرَّقَ } حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجة عليه .
وكذلك قال أبو الفرج، قال: { وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } ، يعني: من لم يؤمن . { إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ } [ البينة: 4 ] ، وفيها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه محمد،والمعنى: لم يزالوا مجتمعين على الإيمان به حتى بعث،قاله الأكثرون .
/ والثاني: القرآن، قاله أبو العالية .
والثالث: ما في كتبهم من بيان نبوته، ذكره الماوردي .
قلت: هذا هو الذي قطع به أكثر المفسرين،ولم يذكر الثعلبي، والبغوي، وغيرهما سواه .
وأبو العالية إنما قال: الكتاب، لم يقل: القرآن . هكذا رواه ابن أبي حاتم بالإسناد المعروف عن الربيع بن أنس: { إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ } ،قال: قال أبو العالية: الكتاب . ومراد أبي العالية جنس الكتاب . فيتناول الكتاب الأول، كما قال: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ } [ هود: 110 ] ، في موضعين من القرآن، وقال تعالى: { فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ } ، ثم قال: { وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ } [ البقرة: 213 ] .