فهرس الكتاب
عن القياس فلا يخلو من أن تفهم علته أولا فإن فهمت العلة فيه ألحق به ما في معناه كقياس عرية العنب على عرية الرطب فيما دون خمسة أوسق إذ العلة مفهومة وهي الرخصة للناس والتوسعة عليهم إذا احتاجوا إليه وكقياس أكل بقية المحرمات على أكل الميتة للضرورة بجامع استبقاء النفس بذلك ويقاس عليه المكره على أكلها لأنه في معنى المضطر إلى التغذي بها بالجامع المذكور. وإن لم تفهم علة المعدول عن القياس لم يلحق به غيره وذلك كتخصيص أبي بردة بأنه ذبح جذعة من المعز في الأضحية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"هي خير نسيكتيك ولا تجزي جذعة لأحد بعدك"1 والحديث في الصحيحين ورواه أبو داود والنسائي والترمذي. وصححه وكشهادة خزيمة حيث اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا من أعرابي ولم يكن بينهما أحد ثم جحد الأعرابي البيع فشهد به خزيمة بن ثابت وحده فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته فجعل شهادته بشهادتين فهذه التخصيصات مما لا يفهم معناها فلا يلحق بها غير من خص بها وكذا التفريق بين بول الغلام والجارية لما لم يعقل الفرق بينهما لم يلحق بهما ذكور صغار البهائم وإناثها.
فصل: لا يشترط أن تكون العلة أمرا ثبوتيا بل يجوز أن تكون أمرا عدميا وهي كونها صفة أو اسما أو حكما كقولنا ليس بمكيل ولا بموزون فلا يحرم فيه التفاضل وهذا لا يجوز رهنه ونحو ذلك خلافا لبعض الشافعية حيث قالوا لا يجوز ويجوز تعليل الحكم بعلتين معا فلا يمتنع أن يجعل اللمس والبول علتان لنقض الوضوء وهنا قد تم الكلام على شروط العلة وبه تم الكلام على شروط أركان القياس الأربعة ولنشرع في بيان ما يفسد القياس بيان حسب الإمكان فنقول.
فصل: مفسدات القياس وجوه:
أحدها: أن لا يكون الحكم معللا في نفس الأمر فيكون القائس قد علل بما ليس بمعلل كمن زعم أن علة الانتقاض بلحم الجزر وهو أنه لشدة حرارته ودسمه مرخ للجوف والصحيح المشهور أن ذلك تعبد
1 رواه مسلم في كتاب الأضاحي، باب: 5، الترمذي في كتاب الأضاحي، باب: 12، والنسائي في كتاب الضحايا، باب: ذبح الضحية قبل الإمام، وأبو داود في كتاب الضحايا، باب: ما يجوز في الضحايا من السن، والدارامي في كتاب الأ ضاحي، باب: في الذبح قبل الإمام.