فهرس الكتاب
بعدم الدليل على عدم صلاحيته علة مثل أن يقال للفاعل: لم فعلت فيقول لأني أردت. فالإرادة هنا لا تصلح للتعليل لأن العلة إنما هي المقتضى الخارجي للفعل والإرادة ليست معنى خارجا عن الفعل فكان استعمالها هنا استعمالا للفظ في غير محله فكانت مجازا فإما مثل قوله عليه السلام في المحرم الذي مات:"لا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا"وقوله في الروثة لما جيء بها ليستجمر بها:"أنها رجس". ومثل هذا فقال أبو الخطاب هذا كله صريح في التعليل خصوصا فيما لحقته الفاء نحو فإنه يبعث ملبيا. وقال غيره هو من باب التنبيه والإيماء والخلاف لفظي لأن أبا الخطاب يقول إن التعليل به صريح لأنه تبادر منه إلى الذهن بغير توقف في عرف اللغة وغيره يعني بكونه ليس بصريح أن حرف إن ليست موضوعة للتعليل في اللغة
الثاني: من إثبات العلة بالدليل النقلي الإيماء والفرق بينه وبين الأول أن النص يدل على العلة بوصفه لها والإيماء يدل عليها بطريق الالتزام وهو أنواع: أحدهما: ذكر الحكم عقيب الوصف بالفاء كقوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا} [البقرة: 222] {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} [المائدة: 38] وقوله عليه السلام:"من أحيا أرضا فهي له"1 فهذه أحكام ذكرت عقيب أوصاف كاعتزال النساء عقيب المحيض وقطع السارق عقيب السرقة وملك الأرض بعد الإحياء وهو يفيد أن الوصف الذي قبل الحكم علة وسبب لثبوته إذ الفاء للتعقيب فتفيد تعقيب الحكم الوصف وأنه سببه إذا السبب ما ثبت الحكم عقيبه. ثانيها ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء كقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] أي لتقواه وتوكله لتعقيب الجزاء والشرط.
ثالثها: ذكر الحكم جوابا بالسؤال يفيد أن السؤال المذكور أو مضمونه علة الجواب كقوله عليه الصلاة والسلام في جواب قول الأعرابي واقعت أهلي في نهار رمضان:"أعتق رقبة"2 لأن ذلك في معنى قوله حيث واقعت أهلك فأعتق رقبة.
1 رواه أبو داود في كتاب الإمارة، باب: في إحياء الموات، والبخاري في كتاي الحرث، باب: من أحيا أرضا موال، والترمذي في كتاب الأحكام، باب:38، والدارامي في كتاب البيوع، باب:من أحيا أرضا ميتة فهي له، والموطأ في كتاب الأقضية، باب: القضاء في عمارة الموت.
2 رواه البخاري في كتاب الصوم، باب:إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر، ومسلم في كتاب الصوم، باب: 81، وأبو داود في كتاب الصوم، باب: كفارة من أتى أهله في شهر رمضان، والترمذي في كتاب الصوم، باب: 28، وابن ماجه في كتاب الصيام، باب: ماجاء في كفارة من أنظر يوما من رمضان، وأحمد في"م2/241".