فهرس الكتاب
رابعها: أن يذكر الشارع مع الحكم سببا لو لم يعلل الحكم به لكان ذكره لاغيا فيجب تعليل الحكم بذلك الشيء المذكور معه لصيانة كلام الشارع عن اللغو وهذا النوع قسمان:
أحدهما: أن يسأل في الواقعة عن أمر ظاهر ثم يذكر الحكم عقيبه فيدل على التعليل كقوله عليه السلام لما سئل عن بيع الرطب بالتمر قال:"أينقص الرطب إذا يبس؟"قالوا نعم قال:"فلا إذن"1 فهذا استفهام على جهة التقرير لكونه ينقص إذا يبس وليس هذا من باب الاستعلام إذ المعلوم لكل عاقل أن الرطب ينقص إذا يبس لزوال الرطوبة الموجبة لزيادته وثقله.
ثانيهما: أن يعدل في الجواب إلى نظير محل السؤال كقول عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: إني قبلت وأنا صائم فقال له:"أرأيت لو تمضمضت"2. فإن ذلك يدل على التعليل بالمعنى المشترك بين الصورتين المسؤول عنها والمعدول إليها بطريق القياس إذ لو لم يكن كذلك لخلا السؤال عن جواب فكأنه قال لعمر إن القبلة لا تضر ولا تفسد صومك لأنها مقدمة شهوة الفرج كما أن المضمضة مقدمة شهوة البطن.
خامسها: أن يذكر عقيب الكلام أو في سياقه أو في ضمنه شيئا لو لم يعلل به الحكم المذكور لم يكن الكلام منتظما كقوله تعالى: {ذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] وقوله عليه السلام:"لا يقضي القاضي وهو غضبان"3 فلو لم يعلل النهي عن البيع حينئذ بكونه مانعا أو شاغلا عن السعي لكان ذكره
1 رواه أبو داود في كتاب البيوع، باب: في التمر بالتمر، والترمذي في كتاب البيوع، باب: 14، والنسائي في كتاب البيوع، باب: اشتراء التمر بالرطب، وابن ماجه في كتاب التجارات، باب: بيع الرطب بالتمر، والموطأ في كتاب البيوع، باب: مايكره من بيع التمر.
2 رواه أبو داود في كتاب الصوم، باب: القبلة للصائم، والدارامي في كتاب الصوم، باب: الرخصة في القبلة للصائم، وأحمد في"م1/ص21".
3 رواه البخاري في كتاب الأحكام، باب: هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان، ومسلم في كتاب الأقضية، باب: 16، وأبو داود في كتاب الأقضية، باب القاضي يقضي وهو غضبان، والترمذي في كتاب الأحكام، باب: 7، والنسائي في كتاب القضاة، باب: النهي عن أن يقضى في قضاء بقضائين، وابن ماجه في كتاب الأحكام، باب: لا يحكم الحاكم وهو غضبان، وأحمد في"م5/ص36".