الصفحة 133 من 236

فقتلوا الراعي ومَثَّلُوا به، واستاقوا الإبل، فلما بلغ ذلك رسول الله أرسل وراءهم كُرز بن جابر الفِهري في عشرين فارسًا فلحقوا بهم، وقبضوا على جميعهم، ولما جيء بهم إلى المدينة أمر عليه الصلاة والسلام أن يمثل بهم كما مَثَّلُوا بالراعي، فقُطعت أيديهم وأرجلهم وسُمِّرَتْ أعينُهم وألقوا بالحرّة حتى ماتوا، فهكذا يكون جزاءُ الخائن الذين لا يُنتظر منه صلاح، وعَمَلُ هؤلاء الشريرين مما يدل على فساد الأصل، ولؤم العشيرة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن المُثْلَة1.

سرية عمرو بن أمية

جلس أبو سفيان بن حرب يومًافي نادي قومه، فقال: ألا رجل يذهب لمحمد فيقتله غدرًافإنه يمشي بالأسواق لنستريحَ منه؟ فتقدم له رجل وتعهد له بما أراد، فأعطاه راحلةً ونفقةً وجهّزه لذلك. فخرج الرجل حتى وصل إلى المدينة صُبْحَ سادسةٍ من خروجه، فسأل عن رسول الله فَدُلَّ عليه وهو بمسجد بني عبد الأشهل، فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال:"إن هذا الرجل ليريد غدرًا، وإن الله مانعي منه"فذهب لينحني على الرسول، فجذبه أُسيد بن حضير من إزاره، وهنالك سقط الخنجر، فندم الرجلُ على فعلته، ثم سأله عليه الصلاة والسلام عن سبب عمله فصدقه بعد أن توثّق من حفظ دمه، فخلّى عليه الصلاة والسلام سبيله. فقال الرجل: والله يا محمد، ما كنت أخاف الرجال، فما هو إلا أَنْ رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي، ثم إنك اطّلعت على ما هَممتُ به مما لم يعلمه أحد، فعرفتُ أنك ممنوع، وأنك على حق، وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان، ثم أسلم. وعند ذلك أرسل عليه الصلاة والسلام عمرو بن أمية الضَّمْرِي، وكان رجلًا جريئًافاتكًا في الجاهلية، وأصحبه برفيق، ليقتلا أبا سفيان غيلة جزاء اعتدائه، فلما قدما مكة توجها ليطوفا بالبيت قبل أن يؤديا ما أرسلا له، فعرف عَمْرًا أحدُ رجال مكة، فقال: هذا عمرو بن أُمية ما جاء إلا بشر، فلما رآهم علموا به لم يجد مناصًا من الهرب، فاصطحب معه رفيقه، ورجعا إلى المدينة، وكأَنَّ الله سبحانه أراد أن يعيش أبو سفيان حتى يُسَلِّمَ بيده مفاتيحَ الكعبة للمسلمين، ويعتنق الدين الحنيفي القويم2.

ـــــــ

1 طبقات ابن سعد: ج2 ص93.

2 السابق: ج2 ص93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت