الصفحة 134 من 236

علينا في جنوده معتمرًا تسمع العرب أنه قد دخل علينا عنوة، وبيننا وبينهم من الحرب ما بيننا؟ والله لا كان هذا أبدًا ومنا عَيْن تَطْرف!. ثم أرسلوا حُلَيْسَ بن علقمة سَيِّد الأحابيش وهم حلفاء قريش، فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال:"هذا مِنْ قوم يعظّمون الهدْي، ابعثوه في وجهه حتى يراه"، ففعلوا، واستقبله الناس يُلَبُّون، فلما رأى ذلك حُلَيْس رجع، وقال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا. أتحجُّ لخم وجذام وحمير، ويُمنع عن البيت ابن عبد المطلب؟ هلكت قريش، وربِّ البيت! إن القوم أَتَوا معتمرين.

فلما سمعت قريش منه ذلك قالوا له: اجلسْ إنما أنت أعرابي لا علم لك بالمكايد، ثم أرسلوا عُرْوَةَ بن مسعود الثقفي سيد أهل الطائف فتوجه إلى رسول الله، وقال: يا محمد! قد جمعتَ أوباشَ الناس، ثم جئت إلى أهلك وعشيرتك لِتَفُضَّها بهم! إنها قريش قد خرجت تعاهد الله ألا تدخلها عليهم عَنْوة أبدًا. وايمُ الله! لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك. فنال منه أبو بكر، وقال: نحن ننكشف عنه؟ ويحك!

وكان عروة يتكلم وهو يمسّ لحية رسول الله، فكان المغيرة بن شعبة يقرع يده إذا أراد ذلك، ثم رجع عروة وقد رأى ما يصنع بالرسول أصحابه، لا يتوضأ وضُوءًا إلا كادوا يقتتلون عليه يتمسحون به، وإذا تكلموا خَفَضوا أصواتهم عنده، ولا يُحِدُّون النظر إليه. فقال: والله يا معشر قريش! جئتُ كسرى في ملكه وقيصرَ في عظمته، فما رأيتُ مَلِكًا في قومه مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يُسلمونه لشيء أبدًا، فانظروا رأيكم، فإنه عرض عليكم رشدًا فاقبلوا ما عرض عليكم، فإني لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه. فقالت قريش: لا تتكلم بهذا، ولكن نردّه عامنا ويرجع إلى قابل. ثم إن الرسول اختار عثمان بن عفان رسولًا من عنده إلى قريش حتى يعلمهم مَقْصِده، فتوجَّه وتوجَّه معه عشرة استأذنوا الرسول في زيارة أقاربهم، وأمر عليه الصلاة والسلام عثمان أن يأتي المستضعفين من المؤمنين بمكة فيبشرهم بقرب الفتح وأنَّ الله مُظِهر دينه، فدخل عثمان مكة في جوار أبَان بن سعيد الأموي فَبَلَّغ ما حمل، فقالوا: إن محمدًا لا يدخلها علينا عَنْوة أبدًا. ثم طلبوا منه أن يطوف بالبيت، فقال: لا أطوف ورسول الله ممنوع، ثم إنهم حبسوه، فشاعَ عند المسلمين أن عثمان قُتِل، فقال عليه الصلاة والسلام حينما سمع ذلك:"لا نبرح حتى نُناجزهم الحرب"1.

ـــــــ

1 طبقات ابن سعد: ج2 ص95 وما بعدها. ودلائل النبوة: ج4 ص99 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت