أما الأمر الثالث: وهو صدُّ المسلمين عن الطواف بالبيت فكان أشد تأثيرًا في قلوبهم، لأن الرسول أخبرهم أنه رأى في منامه أنهم دخلوا البيت آمنين، وقد سأل عمر أبا بكر في ذلك فقال رضي الله عنه: وهل ذكر أنه في هذا العام؟ ثم كتبت شروط الصلح بين الطرفين، وكان الكاتب علي بن أبي طالب، فأملاه عليه الصلاة والسلام:"بسم الله الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: اكتب باسمك اللهمّ، فأمره الرسول بذلك، ثم قال:"هذا ما صالح عليه محمد رسول الله"فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما خالفناك، اكتب محمد بن عبد الله. فأمر عليه الصلاة والسلام عليًّا بمحو ذلك وكتابة محمد بن عبد الله، فامتنع، فمحاها النبي بيده، وكتبت نسختان نسخة لقريش ونسخة للمسلمين.
وبعد كتابة الشروط جاءهم أبو جَنْدل بن سُهيل يَحْجِلُ في قيوده، وكان من المسلمين الممنوعين من الهجرة، فهرب للمسلمين هذه المرة ليحموه، فقال عليه الصلاة والسلام:"اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرَجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بين القوم صُلحًا وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدًا فلا نغدر بهم".
هذا، وقد دخلت قبيلة خُزاعة في عهد رسول الله ودخل بنو بكر في عهد قريش1.
ولما انتهى الأمر، أمر عليه الصلاة والسلام أصحابه أن يحلقوا رءوسهم، وينحروا الهدْي ليتحلَّلوا من عمرتهم، فاحتمل المسلمون من ذلك همًّا عظيمًا، حتى إنهم لم يبادروا بالامتثال، فدخل عليه الصلاة والسلام على أُم المؤمنين، أُم سلمة، وقال لها:"هلك المسلمون أمرتهم فلم يمتثلوا"، فقالت: يا رسول الله! اعذرهم، فقد حملت نفسك أمرًا عظيمًا في الصلح، ورجع المسلمون من غير فتح فهم لذلك مكروبون، ولكن اخرجْ يا رسول الله، وابدأهم بما تريد فإذا رأوكَ فعلت تبعوك، فتقدم عليه الصلاة والسلام إلى هَدْيِهِ فنحره ودعا بالحلاق فحلق رأسه، فلما رآه المسلمون تواثبوا على الهدي فنحروه وحلقوا2، ثم رجع المسلمون إلى المدينة، وقد أمن كلّ
ـــــــ
1 انظر: ص 149 من دلائل النبوة، ج4.
2 طبقات ابن سعد: ج2 ص103. وفي استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لأم سلمة فوائد عظيمة من جواز استئمار النساء في أمر من الأمور والسماع لهن فيه ما دمن يعرفن ويقدرن التقدير السليم.