فريق الآخر. ولما قرَّ قرارهم جاءتهم مهاجرة أُم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أخت عثمان لأمه، فطلبها المشركون فقالت: يا رسول الله، إني امرأة، وإن رجعت إليهم فتنوني في ديني، فأنزل الله في سورة الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الممتحنة: 10] . فكانت المرأة المهاجرة تُستحلَف أنها ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، ولا من بغض زوج، ولا لالتماس دنيا، ولا لرجل من المسلمين، وما خرجت إلا حبًّا لله ولرسوله، ومتى حلفت لا تردّ بل يُعطى لزوجها المشرك ما أنفقه عليها، ويجوز للمسلم تزوجها. وفي الآية تحريم إمساك الزوجة الكافرة، بل ترد إلى أهليها بعد أن يعطوا ما أنفقوا عليها.
وقد تمكن أبو بصير عتبة بن أسيد الثقفي رضي الله عنه من الفرار إلى رسول الله، فأرسلت قريش في أثره رجلين يطلبان تسليمه، فأمره عليه الصلاة والسلام بالرجوع معهما، فقال: يا رسول الله، أتردني إلى الكفار يفتنوني1 في ديني بعد أن خلّصني الله منهم؟! فقال:"إن الله جاعل لك ولإخوانك فرجًا"، فلم يجد بدًّا من اتّباعه، فرجع مع صاحبيه، ولما كان بذي الحُلَيفة عدا على أحدهما فقتله، وهرب منه الآخر، فرجع إلى المدينة وقال: يا رسول الله، وفَتْ ذمتك، أما أنا فنجوت، فقال له:"اذهب حيث شئت ولا تُقِمْ بالمدينة". فذهب إلى محل بطريق الشام تمرّ به تجارة قريش، فأقام به واجتمع معه جمع ممن كانوا مسلمين بمكة ونَجوا، وسار إليه أبو جندل بن سهيل، واجتمع إليه جمع من الأعراب، وقطعوا الطريق على تجارة قريش حتى قطعوا عنهم الأمداد، فأرسل رجال قريش لرسول الله يستغيثون به في إبطال هذا الشرط ويعطونه الحق في إمسَاك من جاءه مسلمًا، فقبل منهم ذلك، وأزاح الله عن المسلمين هذه الغمّة التي لم يتمكنوا من تحمّلها في الحديبية حينما أمرهم عليه الصلاة والسلام بردّ أبي جندل، وعلموا أن رأي رسول الله أفضل وأحسن من رأيهم حيث كان فيه أمن تسبب عنه اختلاط الكفار بالمسلمين، فخالطت بشاشة الإسلام قلوبهم حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: ما كان فتح في الإسلام أعظمَ من فتح الحديبية ولكن الناس قصر رأيهم
ـــــــ
1 الأصل: يفتونني، وحذفت النون للتخفيف وهي جائزة في كلام العرب.