وأما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية المخزومي، فأجارتهما أم هانئ بنت أبي طالب، فأجاز عليه الصلاة والسلام جوارها، ولما قابل رسول الله الحارث بن هشام مسلما قال له:"الحمد لله الذي هداك ما كان مثلك يجهل الإسلام"وقد كان بعد ذلك من فضلاء الصحابة.
وأما صفوان بن أمية فاختفى وأراد أن يذهب ويلقي نفسه في البحر، فجاء ابن عمه عمير بن وهب الجمحي وقال: يا نبي الله، إن صفوان سيد قومه، هرب ليقذف نفسه في البحر فأَمِّنْه فإنك قد أمنت الأحمر والأسود، فقال عليه الصلاة والسلام:"أدرك ابن عمك فهو آمن"فقال: أعطني علامة، فأعطاه عمامته، فأخذها عمير حتى إذا لقي صفوان، قال له: فداك أبي وأمي، جئتك من عند أفضل الناس، وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، وهو ابن عمك، وعزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال صفوان: إني أخاف على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، وأراه العمامة علامة الأمان، فرجع إلى رسول الله، وقال له: إن هذا يزعم أنك أمنتني؟ قال:"صدق"قال: أمهلني بالخيار فيه شهرين، قال:"أنت بالخيار فيه أربعة أشهر"ثم أسلم رضي الله عنه وحسن إسلامه.
وأما هند بنت عتبة فاختلفت ثم أسلمت، وجاءت إلى رسول الله فرحب بها وقالت له: والله يا رسول الله، ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك1.
وفود كعب بن زهير
وأما كعب بن زهير فلما ضاقت به الأرض، ولم يجد له مجيرًا، جاء المدينة بعد أن قدمها رسول الله من مكة فأسلم وأنشد قصيدته التي يقول فيها:
وقال كل صديق كنت آمله ... لا أُلْهَيَنَّك إني عنك مشغول
فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم ... فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يومًا على آلة حدباء محمول
ـــــــ
1 يراجع الصفحات المئة الأولى من المجلد الخامس من دلائل النبوة في شأن فتح مكة وتفاصيلها.