عليهم المنجنيق فنصب. ودخل جمع من الأصحاب تحت دبابتين لينقبوا الحصن، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار حتى أرجعوهم. فأمر عليه الصلاة والسلام أن تقطع أعنابهم ونخيلهم، فقطع المسلمون فيها قطعًا ذريعًا، فناداه أهل الحصن، أن دعها لله وللرحم، فقال:"أدعها لله وللرحم"ثم أمر من ينادي بأن كل من ترك الحصن ونزل فهو آمن، فخرج إليه بضعة عشر رجلًا. ولما رأى عليه الصلاة والسلام أن تمنع ثقيف شديد، وأن الفتح لم يؤذن فيه استشار نوفل بن معاوية الديلي في الذهاب أو المقام، فقال: يا رسول الله، ثعلب في جحر إن أقمت أخذته، وإن تركته لم يضرك. فأمر عليه الصلاة والسلام بالرحيل، وطلب منه بعض الصحابة أن يدعو على ثقيف، فقال:"اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم مسلمين"1.
تقسيم السبي
ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى الجِعِرَّانة حيث ترك السبي فأحصاه، وخَمَّسَه، وأعطى منه شيئًا كثيرًا لأناس ضعف إسلامهم يَتَأَلَّفُهُم بذلك. وأعطى أناسًا لم يسلموا ليحبب إليهم الإسلام، ومن الأولين: أبو سفيان أعطاه أربعين أوقية من الذهب ومئة من الإبل، وكذلك ابناه معاوية ويزيد، فقال له: بأبي أنت وأمي لأنت كريم في السلم والحرب. ومنهم حكيم بن حزام أعطاه كأبي سفيان فاستزاده فأعطاه، ثم استزاده فأعطاه مثلها، وقال:"يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى"فأخذ حكيم المئة الأولى وترك ما عداها، ثم قال: والذي بعثك بالحق لا أَرْزَأُ2 أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان الخلفاء بعد رسول الله يعرضون عليه العطاء الذي يستحقه من بيت المال فلا يأخذه. وأعطى عليه الصلاة والسلام عُيَيْنَةَ بن حصن مائة من الإبل، وكذلك الأقرع بن حابس، والعباس بن مِرْدَاس، وأعطى صفوان بن أمية شعبًا مملوءًا نَعَمًا وشاء كان رآه يرمقه، فقال له: هل يعجبك هذا؟"قال: نعم، قال:"هو لك"فقال صفوان: ما طابت بمثل هذا نفس"
ـــــــ
1 حول مسير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ينظر: دلائل النبوة: ج5 ص 156 وما بعدها، وطبقات ابن سعد: ج2 ص 158.
2 لا أصيب من أحد ولا آخذ.