أحد، وكان سبب إسلامه. وكان عليه الصلاة والسلام يقصد من هذه العطايا تأليف القلوب وجمعها على الدين القويم، وهذا ضرب من ضروب السياسة الدينية حتى جعل من الصدقات قسمًا للمؤلفة قلوبهم، وقد عاد ذلك بفائدة عظمى، فإن كثيرين ممن أعطوا في هذا اليوم ولم يكونوا أشربوا في قلوبهم حب الإسلام صاروا بعد من أجلاء المسلمين، وأعظمهم نفعًا، كصفوان بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان، والحارث بن هشام وغيرهم.
ثم أمر عليه الصلاة والسلام زيد بن ثابت فأحصى ما بقي من الغنائم وقسمه على الغزاة بعد أن اجتمع إليه الأعراب، وصاروا يقولون له: اقسم علينا، حتى ألجئوه إلى شجرة، فتعلق رداؤه، فقال:"ردوا ردائي أيها الناس، فوالله، إن كان لي شجر تهامة نعمًا لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذوبًا"ثم قام إلى بعيره، وأخذ وَبرة من سَنَامِهِ، وقال:"أيها الناس، والله، ما لي من غنيمتكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخِيَاط والمِخْيَط، فإن الغلول يكون على أهله عارًا وشنارًا ونارًا يوم القيامة"فصال كل من أخذ شيئًا من الغنائم خِلْسَة يرده ولو كان زهيدًا، ثم شرع يقسم فأصاب الرجل أربعة من الإبل وأربعون شاة، والفارس ثلاثة أمثال ذلك، فقال رجل من المنافقين: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فغضب عليه الصلاة والسلام حتى احمر وجهه، وقال:"ويحك ! من يعدل إذا لم أعدل؟". فلم يؤده غضبه أن ينتقم لنفسه، حاشاه عليه الصلاة والسلام من ذلك، بل لم يزد على أن نصح وحذر، وقال له عمر وخالد بن الوليد: دعنا يا رسول الله نضرب عنقه، فقال:"لا، لعله أن يكون يصلي"فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه! فقال صلى الله عليه وسلم:"إني لم أومر أن أُنَقِّبَ عن قلوب الناس، ولا أَشُقَّ عن بطونهم".
ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا لقريش وقبائل العرب، وترك الأنصار غضب بعضهم حتى قالوا: إن هذا لهو العجب يعطي قريشًا، ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم! فبلغه ذلك، فأمر بجمعهم وليس معهم غيرهم. فلما اجتمعوا قال:"يا معشر الأنصار، ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ إن قريشًا حديثو عهد بكفر ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأَتَأَلَّفَهُم، أغضبتم يا معشر الأنصار في أنفسكم لشيء قليل من الدنيا أَلَّفْتُ به قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم الثابت الذي لا يزلزل؟ ألا"