شَيْن، فخرج إليهم عليه الصلاة والسلام، وقد تأذى من صياحهم، وفيهم نزل في أوائل سورة الحجرات: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 4، 5] وكان الوقت وقت الظهر، فأذَّن بلال، ودخل النبي للصلاة، فتعلقوا به يقولون: نحن ناس من تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال لهم عليه الصلاة والسلام:"ما بالشعر بُعثنا ولا بالفخار أُمرنا"ثم صلى واجتمع حوله رجال الوفد يتفاخرون بمجدهم ومجد آبائهم، وقد مدح عمرو بنُ الأهتم الزبرقانَ بن بدر، فقال: إنه لمطاع في أنديته، سيد في عشيرته، فقال الزبرقان: حسدني يا رسول الله لشرفي، وقد علم أفضل مما قال. فقال عمرو: إنه لزَمِن المروءة، ضيِّق العَطَن، لئيم الخال. فرُئِيَ الغضب في وجه رسول الله لاختلاف قولَي عمرو، فقال: يا رسول الله، لقد صدقتُ في الأولى، وما كذبت في الثانية، رضيتُ فقلت أحسن ما علمت، وغضبتُ فقلت أسوأ ما علمت. فقال عليه الصلاة والسلام:"إن من البيان لسحرًا". ثم أسلم القوم، فردّ النبي عليه الصلاة والسلام عليهم أسراهم، وأحسن جائزتهم، وأقاموا مدة يتعلمون فيها القرآن، ويتفقهون في الدين1.
سرية الوليد بن عقبة
ثم بعث عليه الصلاة والسلام الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط لأخذ صدقات بني المصطلق، فلما علموا بقدومه خرج منهم عشرون رجلا متقلدين سلاحهم احتفالًا بقدومه ومعهم إبل الصدقة، فلما نظرهم ظنهم يريدون حربه لما كان بينه وبينهم من العداوة في الجاهلية، فرجع مسرعًا إلى المدينة، وأخبر الرسول أن القوم ارتدّوا ومنعوا الزكاة، فأرسل لهم خالد بن الوليد لاستكشاف الخبر، فسار إليهم في عسكره خفية حتى إذا كان بناديهم سمع مؤذّنهم يؤذّن بالصبح، فأتاهم خالد فلم يرَ منهم إلا طاعة، فرجع وأخبر الرسول، فأرسل عليه الصلاة والسلام لهم غير الوليد لأخذ الصدقات، وفي الوليد نزل في أوائل الحجرات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات:6] .
ـــــــ
1 طبقات ابن سعد: ج2 ص161.