أما ما منحه الله إياه من إجابة دعواته، فروي عن أنس بن مالك، قال: قالت أمي أُمُّ سُلَيْم: يا رسول الله، خادمك أنس ادعُ الله له، فقال:"اللهمّ، أكثر ماله وولده، وبارك له فيما آتيته". قال أنس: فوالله، إنَّ مالي لكثير، وإنَّ ولدي ليُعادّون اليوم نحو المئة.
ودعا لبعد الرحمن بن عوف بالبركة، فكان نصيب كل زوجة من زوجاته الأربع من تركته ثمانين ألفًا، وتصدق مرّة بعِير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل من كل شيء، فتصدّق بها، وبما عليها، وبأقتابها، وأحلاسها.
ودعا لمعاوية بالتمكين في الأرض فنال الخلافة، ودعا لسعد بإجابة الدعوة، فما دعا على أحد إلا استجيب له، وتقدم دعاؤه لعمر بن الخطاب أن يعزّ الإسلام به، وقال لأبي قتادة:"أفلحَ وجهك، اللهمّ بارك في شعره وبشره"، فمات وهو ابن سبعين سنة، كأنه ابن خمس عشرة، ودعواته عليه الصلاة والسلام المستجابة أكثر من أن تُحصى يطّلع عليها قارئ سيرتنا هذه.
أما ما أطلعه الله عليه من علم ما لم يكن فمما سارت به الركبان، فعن حذيفة رضي الله عنه، قال: قام فينا رسولُ الله مقامًا، فما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلَّا حدّثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء فأعرفه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه، وما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه؟ والله، ما ترك عليه الصلاة والسلام من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدًا إلا قد سمَّاه لنا باسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته. وقد خرَّج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به أصحابه مما وعدهم بهم من الظهور على أعدائه، وفتح مكة، وبيت المقدس، واليمن، والشام، والعراق، وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة، لا تخاف إلا الله، وأنّ المدينة ستُغزى، وتُفتح خيبر على يد علي في غد يومه، وما يفتح الله على أمّته من الدنيا، ويُؤْتَون من زهرتها، وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، وقد قدمنا كثيرًا من ذلك في هذه السيرة، وقدّمنا ما في القرآن من ذلك، وهذا يُغنينا عن الإطالة في هذا المقام فحسبك ما سمعت1.
ـــــــ
1 وقد استقصى البيهقي في دلائل النبوة معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم في مجلدات الكتاب السبع، فمن أراد الاستزادة ففي هذا السفر العظيم مقنع وكفاية.