هؤلاء النافرة قلوبهم، المختلفة أهواؤهم، الذين كانوا منغمسين في كثير من الأضاليل، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر شيئًا فشيئًا حتى رُوضت عقولهم، وهُذِّبت نفوسهم، وكانت الأحكام لا ينزلها الله عليه إلا عقب الحوادث التي تقتضيها، ليكون التأثير في النفوس أشد، ولكن اليهود أرادوا غَلَّ يد القدرة عن أن تفعل إلا ما يشتهون، وقد حجَّهم القرآن الشريف بما يدل على أنهم يعلمون من نفوسهم البُعد عن الحق، فقال في سورة البقرة: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:94] ثم حتَّم جل ذكره عدم إجابتهم بقوله: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة:95] ، فلو كانوا يعلمون من أنفسهم أنهم على الحق لما تأخروا عمّا طُلب منهم مع سهولته، وحرصهم على تكذيب الصادق الأمين، ولم ينقل لنا عن أحد منهم أنه تمنى ذلك ولو نُطْقًا باللسان، وقد تبيّن الهدى لأحد رؤساء بني قينقاع وهو عبد الله بن سلام، فترك هواه وأسلم بعد أن سمع القرآن، وبعد أن كان اليهود يعدّونه من رؤسائهم، عدّوه من سفهائهم حينما بلغهم إسلامه، فـ {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [البقرة: 90] ، ولما استحكمت في قلوبهم عدواة الإسلام صاروا يجهدون أنفسهم في إطفاء نوره: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون} [التوبة: 32] 1.
المُنَافِقُونَ
وكان يُسَاعِدُهُم على مقاصدهم جماعة من عرب المدينة أعمى الله بصائرهم، فأخفوا كفرهم خوفًا على حياتهم، وكان يرأس هذه الجماعة عبد الله بن أبيّ بن سَلول الخزرجي، الذي كان مرشحًا لرياسة أهل المدينة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شكَّ أن ضررَ المنافقين أشدُّ على المسلمين من ضرر الكفار، لأن أولئك يدخلون بين المسلمين فيعلمون أسرارهم، ويشيعونها بين الأعداء من اليهود وغيرهم كما حصل ذلك مرارًا، والأساس الذي كان عليه رسول الله أن يقبل ما ظهر ويترك لله ما بطن، ولكنه عليه الصلاة والسلام مع ذلك كان لا يأمنهم في عمل ما، فكثيرًا ما كان يتغيب
ـــــــ
1 السيرة النبوية: ج3 ص46 وما بعدها. وحول إسلام ابن سَلَام انظر ص 49 من السيرة.