عن المدينة، ويولي عليها بعض الأنصار، ولكن لم يُعْهَد أنه وَلَّى رجلا ممّن عُهِدَ عليه النفاق، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم ما يكون منهم لو وُلُّوا عملًا، فإنهم بلا شك يتخذون ذلك فرصة لإضرار المسلمين، وهذا درس مهم لرؤساء الإسلام، يعلِّمهم أَلَّا يثقوا في الأعمال المهمة إلا بمن لم تظهر عليهم شبهة النفاق أو إظهار ما يخالف ما في الفؤاد1.
مُعَاهَدَةُ الْيَهُودِ
هذا، وقد علمتَ أنه كان يضاد المسلمين في المدينة فئتان: اليهود والمنافقون، ولكن الرسول قَبِلَ من هؤلاء ظواهرهم، وعقد مع أولئك عهدًا مقتضاه ترك الحرب والأذى، فلا يُحَارِبهم ولا يؤذيهم، ولا يعينون عليه أحدًا، وإن دهمه بالمدينة عدو ينصرونه، وأقرهم على دينهم.
مشروعية القتال
قد عُلم مما تقدم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يقاتل أحدًا على الدخول في الدين، بل كان الأمر قاصرًا على التبشير والإنذار، وكان الله سبحانه ينزل عليه من الآي ما يقويه على الصبر أمام ما كان يلاقيه من أذى قريش، ومن ذلك قوله في سورة الأحقاف: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ} [الأحقاف: 35] ، وكان كثيرًا ما يقص الله عليه أنباء إخوانه من المرسلين قبله ليثبت به فؤاده، ولما ازداد طغيان أهل مكة ألجئوه إلى الخروج من داره بعد أن ائتمروا على قتله، فكانوا هم البادئين بالعِداء على المسلمين حيث أخرجوهم من ديارهم بغير حق، فبعد الهجرة أذن الله للمهاجرين بقتال مشركي قريش بقوله في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ
ـــــــ
1 المنافقون هنا هم كافرون، وهو نفاق الإيمان، بخلاف نفاق العمل الذي بَيّن الرسول صلى الله عليه وسلم فيه علاماته وآياته. وقد ضيق الرسول صلى الله عليه وسلم على المنافقين ونكل بهم لتأثيرهم الشديد في الوسط السياسي بالمدينة المنورة، فقد كانوا متآمرين على الدولة الوليدة حتى جاء في بعض السير أنهم كاتبوا ملك الروم في هذا الصدد فحرق عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد الذي بنوه ضِرارًا وكفرًا كما جاء في القرآن الكريم ذلك. وانظر السيرة النبوية: ج3 ص126 وما بعدها.