لأول نظرة أن هذا النظام مع عدم إضراره بالأغنياء مقلل لمصائب الفقر التي ألجأت كثيرًا من فقراء الأمم أن يخالفوا نظام دولهم، ويؤسسوا مبادئ تقويض العمران وتداعي الأمن كما يفعله الاشتراكيون وغيرهم.
غزوة بدر الكبرى
لم يطل العهد بتلك العير العظيمة التي خرج لها عليه السلام وهي متوجهة إلى الشام، فلم يدركها ولم يزل مترقبًا رجوعها، فلما سمع برجوعها ندب إليها أصحابه، وقال:"هذه عير قريش فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها"، فأجاب قوم، وثقل آخرون، لظنهم أن الرسول عليه السلام لم يرد حربًا، فإنه لم يحتفل بها بل قال:"من كان ظهره حاضرًا فليركب معنا". ولم ينتظر من كان ظهره غائبًا. فخرج لثلاث ليال خَلَوْن من رمضان بعد أن ولى على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم، وكان معه ثلاث مائة وثلاثة فرسان، وسبعون بعيرًا يعتقبونها، والحامل للواء مصعب بن عمير العَبْدري. ولما علم أبو سفيان بخروج الرسول صلى الله عليه وسلم استأجر راكبًا ليأتي قريشًا ويخبرهم الخبر، فلما علموا بذلك أدركتهم حميتهم، وخافوا على تجارتهم، فنفروا سراعًا ولم يتخلف من أشرافهم إلا أبو لهب بن عبد المطلب، فإنه أرسل بدله العاص بن هشام بن المغيرة. وأراد أمية بن خلف أن يتخلف لحديث حدثه إياه سعد بن معاذ حينما كان معتمرًا بعد الهجرة بقليل، حيث قال -كما رواه البخاري-: سمعت من رسول الله يقول:"إنهم قاتلوك"قال: بمكة؟ قال: لا أدري. ففزع لذلك وحلف ألا يخرج، فعابه أبو جهل ولم يزل به حتى خرج قاصدًا الرجوع بعد قليل ولكن إرادة الله فوق كل إرادة، فإن منيته ساقته إلى حتفه رغم أنفه. وكذلك عزم جماعة من الأشراف على القعود فعيب عليهم ذلك، وبهذا أجمعت رجال قريش على الخروج، فخرجوا على الصعب والذلول، أمامهم القَيْنات1 يغنين بهجاء المسلمين: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفال: 48] . وقد ضرب الله عمل الشيطان هذا مثلًا يعتبر به ذوو الرأي من بعدهم، فقال في سورة الحشر: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}
ـــــــ
1 القَيْنَةُ: هي المرأة المغنية التي تغني بتهتك وهلوك وخلاعة وقد تمكن الناس من مس جسدها.