[الحشر: 16] وهكذا كان عمله في هذه الواقعة {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] .
وكان عدة من خرج من المشركين تسع مئة وخمسين رجلًا معهم مئة فرس وسبع مئة بعير.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يعرف شيئًا مما فعله المشركون، ولم يكن خروجه إلا للعير، فعسكر ببيوت السُّقْيا خارج المدينة، واستعرض الجيش فردَّ مَنْ ليس له قدة على الحرب، ثم أرسل اثنين يتجسسان الأخبار عن العير. ولما بلغ الرَّوْحاء جاءه الخبر بمسير قريش لمنع عيرهم، وجاءه مخبراه بأن العير ستصل بدرًا غدًا أو بعد غد، فجمع عليه الصلاة والسلام كبراء الجيش وقال لهم:"أيها الناس، إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين أنها لكم: العير أو النفير"فتبين له عليه الصلاة والسلام أن بعضهم يريدون غير ذات الشوكة1؛ وهي العير ليستعينوا بما فيها من الأموال، فقد قالوا: هلاّ ذكرت لنا القتال فنستعد وجاء مصداق ذلك قوله في سورة الأنفال: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنفال: 7] . ثم قام المقداد بن الأسود رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله، فوالله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله! لو سرت بنا إلى بَرْكَ الغِمَاد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فدعا له بخير، ثم قال عليه السلام:"أشيروا عليّ أيّها الناس"وهو يريد الأنصار لأن بيعة العقبة ربما يفهم منها أنه لا تَجِب عليهم نصرته إلا ما دام بين أظهرهم. فإن فيها: يا رسول الله، إنَّا بُرآء من ذمتك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إليها فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فقال سعد بن معاذ، سيد الأوس: كأنك تريدنا يا رسول الله؟ فقال:"أجل"فقال سعد: قد آمنا بك وصدّقناك، وأعطيناك على ذلك عهودنا، فامض لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك، وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غدًا، إنا لصُبُر عند الحرب، صُدُق عند اللقاء، ولعلّ الله يُريك منّا ما تقرّ به عَيْنُك، فسر على بركة الله.
فأشرق وجهه عليه السلام، وسُرّ بذلك، وقال كما في رواية البخاري:"أبشروا والله كأني"
ـــــــ
1 ذات الشوكة: كناية عن الحرب.