الصفحة 81 من 236

أنظر إلى مصارع القوم"فَعلم القومُ من هذه الجملة أن الحرب لا بدّ حاصلة، وحقيقة حصلت، فإن أبا سفيان لما علم بخروج المسلمين له ترك الطريق المسلوكة، وسار متّبعًا ساحل البحر فنجا، وأرسل إلى قريش يُعلِمهم بذلك، ويشير عليهم بالرجوع، فقال أبو جهل: لا نرجع حتى نحضر بدرًا فنقيم فيه ثلاثًا: ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونُسقي الخمر، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدًا. فقال الأخنس بن شريق الثقفي لبني زهرة -وكان حليفًا لهم-: ارجعوا يا قوم، فقد نجَّى الله أموالكم فرجعوا، ولم يشهد بدرًا زهري ولا عدوي، ثم سار الجيش حتى وصلوا وادي بدر فنزلوا عدوته القصوى عن المدينة في أرض سهلة لينة."

أما جيش المسلمين، فإنه لمّا قارب بدرًا أرسل عليه السلام عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوّام ليعرفا الأخبار، فصادفا سُقاةً لقريش فيهم غلام لبني الحجاج وغلام لبني العاص السهميين، فأتيا بهما، والرسول عليه السلام قائم يصلي، ثم سألاهما عن أنفسهما، فقالا: نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم الماء، فضرباهما لأنهما ظنا أن الغلامين لأبي سفيان فقال الغلامان: نحن لأبي سفيان فتركاهما. ولما أتمَّ الرسول عليه السلام صلاته، قال:"إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما؟! صدقا والله إنهما لقريش". ثم قال لهما:"أخبراني عن قريش؟"قالا: هم وراء هذا الكثيب، فقال لهما:"كم هم؟"فقالا: لا ندري. قال:"كم ينحرون كل يوم؟". قالا: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا. قال:"القوم ما بين التسعمائة والألف"، ثم سألهما عمّن في النفير من أشراف قريش فذكرا له عددًا عظيمًا، فقال عليه السلام لأصحابه:"هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها"، ثم ساروا حتى نزلوا بعُدْوَةِ1 الوادي الدنيا من المدينة.

بعيدًا عن الماء في أرض سبخة، فأصبح المسلمون عطاشًا بعضهم جُنب وبعضهم مُحْدِث، فحدَّثهم الشيطان بوسوسته، ولولا فضل الله عليهم ورحمته لثنيت عزائمهم، فإنه قال لهم: ما ينتظر المشركون منكم إلا أن يقطع العطش رقابكم، ويذهب قواكم فيتحكموا فيكم كيف شاءوا.

فأرسل الله لهم الغيث حتى سال الوادي، فشربوا واتخذوا الحِياض على عُدْوَةِ الوادي، واغتسلوا وتوضؤوا وملؤوا الأسقية، ولبدت الأرض، حتى ثبتت عليها الأقدام، على حين أن كان هذا المطر مصيبة على المشركين فإنه وحل الأرض حتى لم

ـــــــ

1 العدوة: الجانب والطرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت