يعودوا يقدرون على الارتحال. ومصداق هذا قوله تعالى في سورة الأنفال1: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] وقد أرى الله رسوله في منامه الأعداء كما أراهموه وقت اللقاء قليلي العدد كي لا يفشل المسلمون، وليقضي الله أمرًا كان مفعولًا. قال تعالى في سورة الأنفال: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [الأنفال: 43، 44] ثم سار جيش المسلمين حتى نزل أدنى ماء من بدر، فقال الحباب بن المنذر الأنصاري وكان مشهورًا بجودة الرأي: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال:"بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، فقال: يا رسول الله، ليس لك هذا بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فإني أعرف غزارة مائه وكثرته فننزله ونغوِّر ما عداه من الآبار، ثم نبني عليه حوضًا، فنملؤه ماءً فنشرب ولا يشربون. فقال الرسول عليه السلام:"لقد أشرت بالرأي". ونهض حتى أتى أدنى ماء من القوم، ثم أمر بالآبار التي خلفهم فغورت لينقطع أمل المشركين في الشرب من وراء المسلمين، وبنى حوضًا على القَلِيب الذي نزل عليه. ثم قال له سعد بن معاذ سيد الأوس: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ونُعِدُّ عندك ركائبك ثم نَلقَى عدونا، فإن أعزّنا الله تعالى وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمَن وراءنا من قومنا، فقد تخلّف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشدّ لك حبًّا منهم، ولا أطوع لك منهم، لهم رغبة في الجهاد ونيّة، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، إنما ظنوا أنها العير، يمنعك الله بهم ويُناصحونك ويجاهدون معك. فقال عليه الصلاة والسلام:"أو يقضي الله خيرًا من ذلك"، ثم بنى للرسول عريش فوق تل مشرف على ميدان الحرب، ولما اجتمعوا عدَّل عليه السلام صفوفهم، مناكبهم متلاصقة، فصاروا كأنهم بنيان مرصوص ثم نظر لقريش فقال:"اللهمّ، هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفخرها تُحادّك وتكذب رسولك، اللهم، فنصرك الذي وعدتني به". وفي هذا الوقت وقع خُلْفٌ بين رؤساء عسكر
ـــــــ
1 انظر دلائل النبوة: ج3 ص45 وما بعدها حول ما ذكر.