المشركين، فإن عتبة بن ربيعة أراد أن يمنع الناس من الحرب ويحمل دم حليفه عمرو بن الحضرمي الذي قتل في سرية عبد الله بن جحش، ويحمل ما أُصيب من عِيره ودعا الناس إلى ذلك، فلما بلغ أبا جهل الخبر وَسَمه بالجبن وقال: والله، لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد. وقبل أن تقوم الحرب على ساقها، خرج من صفوف المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي وقال: أُعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب وضربه ضربة قطع بها قدمه بنصف ساقه فوقع على ظهره، فزحف على الحوض حتى اقتحم فيه لِيَبَرَّ قسمه فأتبعه حمزة فقتله. ثم وقف عليه الصلاة والسلام يحرّض الناس على الثبات والصبر وكان فيما قال:"وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله به الهمّ وينجي به من الغم". ثم ابتدأ القتال بالمبارزة فخرج من صفوف المشركين1 ثلاثة نفر: عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فطلبوا أكفاءهم فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، فقالوا: لا حاجة لنا بكم إنما نريد أكفاءنا من بني عمنا، فأخرج لهم عليه الصلاة والسلام عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب للأول، وحمزة بن عبد المطلب للثاني، وعلي بن أبي طالب للثالث. فأما حمزة وعلي فقتلا صاحبيهما، وأما عبيدة وعتبة فاختلفا بضربتين كلاهما جرح صاحبه، فحمل رفيقا عبيدة على عتبة فأجهزا عليه، وحُمِل عبيدة بين الصفوف جريحًا يسيل مخ ساقه، وأضجعوه إلى جانب موقفه صلى الله عليه وسلم، فأفرشه رسول الله قدمه الشريفة، فوضع خده عليها، وبشّره عليه الصلاة والسلام بالشهادة، فقال: وددتُ والله أن أبا طالب كان حيًّا ليعلم أننا أحقّ منه بقوله:
ونُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ ... ونَذْهَلَ عَنْ أَبنائِنا والحَلائِلِ
وبعد انقضاء هذه المبارزة، وقف عليه الصلاة والسلام بين الصفوف يعدلها بقضيب في يده، فمرّ بسواد بن غَزِية حليف بني النجار وهو خارج من الصف، فضربه بالقضيب في بطنه وقال:"استقم يا سواد"، فقال: أوجعتني يا رسول الله، وقد بُعثت بالحق والعدل فَأَقِدْني من نفسك. فكشف الرسول عليه الصلاة والسلام عن بطنه، وقال:"استقد يا سواد"، فاعتنقه سواد وقبل بطنه2. فقال عليه الصلاة والسلام:"ما"
ـــــــ
1 دلائل النبوة: ج3 ص71 وما بعدها. والسيرة النبوية: ج3 ص172.
2 السيرة النبوية: ج3 ص173.