حملك على ذلك؟"فقال: يا رسول الله! قد حضر ما ترى فأردت أن يكون آخر العهد أن يمس جلدي جلدَك، فدعا له بخير، ثم ابتدأ عليه الصلاة والسلام يوصي الجيش فقال:"لا تحملوا حتى آمركم، وإن اكتَنَفكم القوم فانضحوهم بالنبل ولا تَسُلُّوا السيوف حتى يَغْشَوكم"ثم حضّهم على الصبر والثبات، ثم رجع إلى عريشه1 ومعه رفيقه أبو بكر، وحارسه سعد بن معاذ واقف على باب العريش متوشح سيفه، وكان من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام ذاك الوقت كما جاء في صحيح البخاري:"اللهم، أنشدك عهدك ووعدك، اللهمّ، إن شئت لم تُعبد"فقال أبو بكر: حَسْبُك فإن الله سينجز لك وعده. فخرج عليه الصلاة والسلام من العريش وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] . ثم قال عليه الصلاة والسلام يُحرّض الجيش:"والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، ومن قتَل قتيلًا فله سَلَبُهُ"فقال عُمير بن الحمام -وبيده تمرات يأكلها-: بخٍ بخٍ! ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أَنْ يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات، وأخذ سيفه، وقاتل حتى قُتِل2."
واشتد القتال، وحمي الوطيس، وأيد الله المسلمين بالملائكة بُشرى لهم ولتطمئن به قلوبهم. فلم تكن إلا ساعة حتى هُزم الجمع، وولّوا الدُّبُرَ، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، فقتل من المشركين نحوُ السبعين، منهم من قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، قُتلوا مبارزة أول القتال، وأبو البَخْتري بن هشام، والجراح والد أبي عبيدة قتله ابنه بعد أن ابتعد عنه فلم يزدجر، وقُتل أُمية بن خلف وابنه علي، اشترك في قتلهما جماعة من الأنصار مع بلال بن رباح وعمّار بن ياسر، وقد سعيا في ذلك لما كان يفعله بهما أُمَيّةُ في مكة. ومن القتلى حنظلة بن أبي سفيان، وأبو جهل بن هشام، أثخنه فَتيان صغيران من الأنصار، لما كانا يسمعانه من أنه كان شديد الإيذاء لرسول الله، وأجهز عليه عبد الله بن مسعود، وقُتل نوفل بن خويلد قتله علي بن أبي طالب، وقتل عبيدة والعاصي ولدا أبي أُحَيْحَة سعيد بنِ العاصِ بنِ أمية، وقُتِل كثيرون غيرهم. أما الأسرى فكانوا سبعين أيضًا، قتلَ منهم عليه الصلاة والسلام وهو راجع عقبةَ بن أبي مُعيط، والنضرَ بن الحارث اللذين كانا بمكة من أشد
ـــــــ
1 السابق: ج3 ص 174.
2 السيرة النبوية: ج3 ص 175.