المستهزئين1. وكانت هذه الواقعة في 17 رمضان، وهو اليوم الذي ابتدأ فيه نزول القرآن وبين التاريخين 14سنة قمرية كاملة.
وقد أمر عليه الصلاة والسلام بالقتلى فنُقلوا من مصارعهم التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر بها قبل حصول الموقعة إلى قليب بدر2، لأنه عليه الصلاة والسلام كان من سُننه في مغازيه إذا مرّ بجيفة إنسان أمر بها فدفنت، لا يسأل عنه مؤمنًا أو كافرًا. ولما ألقي عتبة والد أبي حذيفة أحد السابقين إلى الإسلام تغير وجه ابنه ففطن الرسول عليه الصلاة والسلام لذلك، فقال:"لعلّك دخلت من شأن أبيك شيء؟"فقال: لا والله، ولكني كنت أعرف من أبي رأيًا وحلمًا وفضلًا، فكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما مات عليه أحزنني ذلك، فدعا له الرسول عليه الصلاة والسلام بخير، ثم أمر عليه الصلاة والسلام براحِلته فشُدَّ عليها حتى قام على شَفَةِ القليب الذي رمي فيه المشركون، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم:"يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان! أيسركم أنكم كنتم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟"فقال عمر: يا رسول الله! ما تُكَلِّم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال:"والذي نفسُ محمد بيده! ما أنتم بِأسمَعَ لما أقولُ منهم". وتقول عائشة رضي الله عنها إنما قال:"إنهم الآن ليعلمون أَنَّ ما كنتُ أقول لهم حق"، ثم قرأت: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور} [فاطر:22] ، يقول:"يعلمون ذلك حينما تبوؤوا مقاعدهم من النار". رواه البخاري. ثم أرسل عليه السلام المبشرين، فأرسل عبد الله بن رواحة لأهل العالية3، وأرسل زيد بن حارثة لأهل السافلة راكبًا على ناقة رسول الله، وكان المنافقون والكفار من اليهود قد أرجفوا بالرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، عادة الأعداء في إذاعة الضراء، يقصدون بذلك فتنة المسلمين، فجاء أولئك المبشرون بما سرّ أهل المدينة، وكان ذلك وقت انصرافهم من دفن رقية بنت رسول الله وزوج عثمان. ثم قفل رسول الله راجعًا، وهنا وقع خُلف بين بعض المسلمين في قسمة الغنائم، فالشبان يقولون: باشرنا القتال، فهي لنا خالصة، والشيوخ يقولون: كنا ردءًا لكم فنشارككم. ولما كان هذا الاختلاف
ـــــــ
1 دلائل النبوة: ج3 ص122 وما بعدها. وانظر السيرة النبوية: ج3 ص175 وما بعدها أيضًا.
2 السيرة النبوية: ج3 ص187 وما بعدها.
3 دلائل النبوة: ج3 ص 130.