من فلان -لقريب له- فأضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه العباس، وعليًّا من أخيه عقيل. وهكذا حتى يعلم الناس أنه ليس في قلوبنا مودّة للمشركين، ما أرى أن تكون لك أسرى، فاضرب أعناقهم، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. ووافقه على ذلك سعد بن معاذ وعبد الله بن رواحة، وقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء أهلك وقومك قد أعطاك الله الظفر والنصر عليهم، أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم بك فيكونوا لك عضدًا. فقال عليه الصلاة والسلام:"إن الله ليُليِّن قلوب أقوام حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب أقوام حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 36] وإن مثلك يا عمر مثل نوح قال: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] ورأى عليه الصلاة والسلام رأي أبي بكر بعد أن مدح كلًّا من الصاحبين لأن الوجهة واحدة وهي إعزاز الدين، وخذلان المشركين، ثم قال لأصحابه:"أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد من أسراكم إلا بفداء"وقد بلغ قريشًا ما عزم عليه رسول الله في أمر الأسرى، فناحت على القتلى شهرًا، ثم أشير عليهم من كبارهم ألا يفعلوا كي لا يبلغ محمدًا وأصحابه جزعهم فيشمتوا بهم، فسكتوا وصمّموا على ألا يبكوا قتلاهم حتى يأخذوا بثأرهم، وتواصوا فيما بينهم ألّا يعجلوا في طلب الفداء لئلا يتغالى المسلمون فيه1."
الفداء
فلم يلتفت إلى ذلك المطَّلب بن أبي وَدَاعة السهمي، وكان أبوه من الأسرى، فخرج خفية حتى أتى المدينة وفدى أباه بأربعة آلاف درهم، وعند ذلك بعثت قريش في فداء أسراها، وكان أربعة آلاف إلى ألف درهم، ومن لم يكن معه فداء وهو يحسن القراءة والكتابة أعطوه عشرة من غلمان المدينة يعلمهم، وكان ذلك فداءَه.
ومن الأسرى عمرو بن أبي سفيان، ولما طُلب من أبيه فداؤه أبى، وقال: والله لا يجمع محمد بين ابني ومالي، دعوه يمسكوه في أيديهم ما بدا لهم. فبينما أبو سفيان بمكة إذ وجد سعد بن النعمان الأنصاري معتمرًا، فعدا عليه فحبسه بابنه عمرو، فمضى قوم سعد إلى رسول الله وأخبروه فأعطاهم عمرًا ففكوا به سعدًا.
ـــــــ
1 حول قتلى المشركين انظر السيرة النبوية: ج3 ص263.