الصفحة 88 من 236

ومن الأسرى أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت الرسول، وكان عليه الصلاة والسلام قد أثنى عليه خيرًا في مصاهرته، فإنه لما استحكمت العداوة بين قريش ورسول الله بمكة، طلبوا من أبي العاص أن يطلِّق زينب كما فعل ابنا أبي لهب بابنتي الرسول، فامتنع وقال: والله لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بها امرأة من قريش، ولما أُسر أرسلت زينب في فدائه قِلادة لها كانت حلَّتها بها أمها خديجة ليلة عرسها.

فلما رأى عليه الصلاة والسلام تلك القلادة رَقَّ لها رقّة شديدة، وقال لأصحابه:"إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا لها قلادتها فافعلوا"فرضي الأصحاب بذلك، فأطلقه عليه الصلاة والسلام بشرط أن يترك زينب تهاجر إلى المدينة. فلما وصل إلى مكة أمرها باللحاق بأبيها، وكان الرسول أرسل لها من يأتي بها فاحتملوها. هذا، ولما أسلم أبو العاص بن الربيع قبيل الفتح ردّ عليه امرأته بالنكاح الأول1.

ومن الأسرى: سُهيل بن عمرو، وكان من خطباء قريش وفصحائها وطالما آذى المسلمين بلسانه، فقال عمر بن الخطاب: دَعْني يا رسول الله أنزع ثنيتي سهيل، يَدْلع لسانُهُ، فلا يقوم عليك خطيبًا في مواطن أبدًا، فقال عليه الصلاة والسلام:"لا أُمثِّل فيُمَثِّل الله بي وإن كنت نبيًّا، وعسى أن يقوم مقامًا لا تذمه"وقدم بفدائه مكرز بن حفص، ولما ارتضى معهم على مقدار حبس نفسه بدله حتى جاء الفداء. هذا، وقد حقّق الله خبر الرسول في سهيل، فإنه لما مات عليه الصلاة والسلام أراد أهل مكة الارتداد كما فعل غيرهم من الأعراب، فقام سهيل هذا خطيبًا وقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله: أيها الناس، مَنْ كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ألم تعلموا أن الله قال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون} [الزمر: 30] وقال {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144] ثم قال: والله، إني أعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها فلا يغرّنكم هذا -يريد أبا سفيان- من أنفسكم، فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم لكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم، وتوكلوا على ربّكم، فإن دين الله قائم، وكلمته تامة، وإن الله ناصِر من نصره ومقوٍّ دينه، وقد جمعكم الله على خيركم -يريد أبا بكر- وإن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه. فتراجع الناس عمّا كانوا عزموا عليه، وكان هذا الخبر من معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم.

ـــــــ

1 دلائل النبوة: ج3 ص154 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت