ولما كانت أخته مكلفة بأن تقصّ أثره وتتبع أخباره، رأت أن أخاها موسى مُعْرِض تمامًا عن الرضاعة من المرضعات، فعرضت على آل فرعون أن تدعو لهم امرأة عبرانية ترضعه، وتقوم له مقام الأم. فبعثوها في طلبها، فجاءت بأمه، فأقبل موسى على ثديها، فألقوا إليها بموسى لترضعه وهو موضع عنايتهم. وبعد أن أتمت رضاعته أتت به إلى بيت فرعون ليتولى البلاط الفرعوني تربيته على طريقة أبناء الملوك في ذلك العهد، وليتحقق مراد الله تبارك وتعالى في وعده لأم موسى قائلًا: ?وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين? القصص: 7.
شبّ موسى في بيت فرعون. وكان قوي البأس وافر القوة.
اضطر موسى عليه السلام أخيرًا أن يغادر مصر متجهًا إلى مَدْيَن، بين الشام والحجاز، طلبًا للنجاة من قوم فرعون. وأثناء رحلته تزوج بابنة شعيب (نبي الله) الذي اختاره لإحدى ابنتيه لأمانته وخلقه وقوته وحبه له، وأقام سنين في أهل مدين، ثم أراد العودة إلى مصر. وبينما كان يسير بأهله وغنمه ضلّ الطريق في ليلة مظلمة باردة، ثم رأى نارًا من بعيد، ولما اقترب منها لم يجد عندها أحدًا بل سمع صوتًا يناديه: يا موسى إني أنا الله رب العالمين. وأقام له الحق تبارك وتعالى برهانين أمام عينيه، فكانت معجزة تحويل عصاه إلى حية تسعى، وكذلك إخراج يده من جيبه بيضاء من غير سوء، وهما برهانان خارقان للعادة من الله تبارك وتعالى إلى فرعون وملئه، ثم دعاه أن يذهب إلى فرعون، ويدعوه إلى فك أسر بني إسرائيل، وإلى الرشاد والعدل مع قومه وحسن المعاملة، ودعوته أيضًا إلى عبادة الله الواحد الأحد مستخدمًا في ذلك البرهانين المعجزين اللذين منحهما الله موسى فوق الجبل.