وخير مثال على هذا: الإمام الزهري. فإنه قد تفرّد بسنن كثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام لا تُصاب إلا عنده.
عن ابن شهاب أخبرني حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من حلف منكم، فقال في حلفه: باللاّت فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعالَ أُقامِرْكَ، فليتصدّق ) ).
قال الإمام مسلم: «هذا الحرف (يعني قوله: تعال أقامرك فليتصدق) لا يرويه أحد غير الزهري، قال: وللزهري نحو من تسعين حديثًا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد» (1) .
والإمام الثوري لمّا انفرد بأحاديث، كان ذلك قاضيًا بإمامته، وسعة مروياته واطلاعه، فقبل ما انفرد به، وكان أهلًا لتفرّده هذا.
قال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: «ما رأيت أحدًا أحفظ من سفيان الثوري، ولو خالفه الناس جميعًا لكان القول ما قال سفيان» (2) .
فقوله: «ولو خالفه الناس ... » . فحواه: قبول ما ينفرد به من باب أولى (3) .
أما إذا انفرد بالحديث ـ عن الحفاظ ـ راوٍ ضعيف لا يحتمل تفرده، فإن تفرده هذا يكون سببًا لردّ حديثه.
ومثال هذا: ما رواه أبو زُكَيْر يحيى بن محمد بن قيس (4) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( كلوا ....
ــــــــــــــــــــ
(1) ـ صحيح مسلم، كتاب الأيمان، باب: من حلف باللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله، رقم (1647) (3/ 1267) .
(2) ـ كتاب المجروحين (1/ 49) .
(3) ـ انظر: الحديث المنكر عند نقاد الحديث، عبد الرحمن بن فالح السلمي، مكتبة الرشد ناشرون ط1/ 2005م. (1/ 124) . والكتاب في أصله رسالة ماجستير.
(4) ـ صدوق يخطىء كثيرا من الثامنة. التقريب (1/ 596) . وعن يحيى بن معين أنه قال: أبو زكير ضعيف. الجرح والتعديل (9/ 184) .