ولما كانت العدالة ثابتة للراوي سيء الحفظ؛ لأن سوء الحفظ ـ كما تقدم ـ لا ينافي العدالة، ولما لم يصل ضعف هذا الراوي به إلى درجة الترك، كان لا بدّ من قبول حديثه إذا وجد ما يعضده، ويرتقي به.
إذًا: «فالضعيف غير المتروك لا يضرّ حديثه إلا إذا تفرّد به، أو خالفه الآخرون فيه، وأما إذا وافقه الآخرون فذلك دليل على صحة حديثه، وضبطه له» (2) .
وإهمالنا لمرويات هذا الصنف ـ الذين ضعفوا من جهة حفظهم ـ وردّنا لحديثهم من غير نظر، جناية على الحقيقة والدين، وانتقاص من قيمة المنهج العلمي الأمين، وقد علم المحدثون هذا، وأدركوا عظم الأمانة، فقاموا بمهمتهم خير قيام، ولم يدعوا خرقًا لمخترق، أو مجالًا لمختلق.
وسوف أتكلم في هذا الفصل عن موقع رواية سيء الحفظ من منهج المحدثين وميزانهم النقدي الدقيق، من خلال مبحثين أعرض في الأول لتقوية حديث الراوي سيء الحفظ، ولم؟ وكيف؟ ومتى؟. كما أبين في الثاني حالات قبول رواية سيء الحفظ، ضمن ضوابط وقيود.
ــــــــــــــــــ
(2) ـ الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها (ص: 12) .