أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ (1) .
ثم تكلّم جيل التابعين في الرجال، ولكنّ ذلك لم يكن كثيرًا؛ لقرب العهد برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكونوا يعرفون الكذب آنذاك.
قال محمد بن سيرين: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» (2) . وروى الأعمش عن إبراهيم النخعي قال: «إنما سئل عن الإسناد أيام المختار» (3) .
وقال يعقوب: «قلت لعلي ـ ابن المديني ـ: فمالك بن أنس؟ فقال: أخبرني سفيان ابن عيينة قال: ما كان أشد انتقاء مالك للرجال» (4) .
ويشنّع الإمام أبو عيسى الترمذي على من عاب على المحدثين التكلم في الرجال ويبين جواز ذلك، فيقول: «وقد عاب بعض من لا يفهم على أصحاب الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلموا في الرجال: منهم: الحسن البصري، وطاوس قد تكلما في معبد الجهني، وتكلم سعيد بن جبير في طَلْق بن حبيب، وتكلم إبراهيم النخعي، وعامر الشعبي في الحارث الأعور ... وغيرهم من أهل العلم أنهم تكلموا في الرجال وضعفوا فما حملهم على ذلك عندناـ والله أعلم ـ إلا النصيحة للمسلمين ... » .
قال الحافظ ابن رجب: «مقصود الترمذي رحمه الله أن يبين أن الكلام في الجرح ..
ــــــــــــــــــــــ
(1) ـ مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي، في النهي عن الرواية عن الضعفاء، والاحتياط في تحمّلها. وأصل الصعب والذلول في الإبل، فالصعب: العسر المرغوب عنه، والذلول: السهل الطيب المحبوب المرغوب فيه، فالمعنى: سلك الناس كل مسلك مما يُحمد ويُذم. (1/ 80) .
(2) ـ المصدر السابق (1/ 84) .
(3) ـ العلل ومعرفة الرجال، رقم (5673) ، (3/ 380) .
(4) ـ شرح علل الترمذي (1/ 52) .