والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثًا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد، ومتن واحد مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد وإن كان حافظًا، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة (1) ، وسفيان بن عيينة (2) ، ويحيى بن سعيد (3) ، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة أهل العلم» (4) .
قلت: فالمخالفة ليست على إطلاقها، كما أنها ليست دائمًا دليلًا على وهم الراوي وخطئه، إلا إذا خالفت الواقع، والأمر الثابت، كما أن نسبة المخالفة للآخرين تتوقف على مقدار تيقظ الرواة وضبطهم ودقتهم، إضافة إلى عوارض أخرى قد تعرض لهم
ـــــــــــــــــــ
(1) شعبة بن الحجاج بن الورد العََتكي، أبو بِسطام، ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدًا، من السابعة مات سنة ستين. ع. التقريب (ص: 266) .
(2) - سفيان بن عيينة بن أبي عمران: ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه بأخَرَة، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار مات في رجب سنة ثمان وتسعين، وله إحدى وتسعون سنة. ع. التقريب (ص: 245) .
(3) - يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ التميمي أبو سعيد القطان البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة، قال أحمد: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان، من كبار التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين، وله ثمان وسبعون. ع. تذكرة الحفاظ (1/ 298) ، والتقريب (ص: 591) .
(4) - التمييز (ص: 124ـ126) .