وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: «فتنةُ الحديث أشدُّ من فتنة المال وفتنة الولد، لا تشبهُ فتنتُه فتنة، كم من رجل يُظنُّ به الخيرُ قد حمله فتنةُ الحديث على الكذب» (1) .
ومعنى هذا: أنّ مَن حدّث من الصالحين، ولم يكن ذا حفظ وإتقان، فإنما حمله على هذا حب الحديث والتشبه بالحفاظ، فوقع منه الكذب وهو لا يعلم، ولو تورّع واتّقى لسلم من ذلك (2) ؛ أي سلم من الكذب على رسول الله عليه الصلاة والسلام.
قلت: وفي هذا إشارة إلى أنهم لا يتعمدون الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يجري على ألسنتهم (3) ؛ أي من غير تعمّد منهم.
لذا فلا عجب إذا رأينا مجموعة من الأحاديث الباطلة الموضوعةـ وخصوصًا في فضائل الأعمال ـ، واتُّهِمَ الصالحون بوضعها؛ لأنهم يكتبون عن كلّ من يلقون ولا يميزون (4) . مما دعا أئمة الحديث إلى الإضراب عن حديثهم، حتى قال الإمام ابن منده: «إذا رأيت في حديث ثنا فلان الزاهد فاغسل يدك منه» (5) .
وقد قام العلماء النقاد الأفذاذ بالتحذير من هؤلاء؛ لئلا يغتر الناس بمروياتهم ـ وخصوصًا العامة ـ حيث إن صلاحهم يلفت الأنظار إليهم، ويجذب الآخرين نحوهم، فعن عبدالله بن المبارك ـ رضي الله عنه ـ قال: «لو خُيِّرْتُ بين أن أدخل الجنة، وبين أن ألقى عبدالله بن محرَّر، لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بَعْرةٌ أحبّ إليَّ منه» (6) .
ـــــــــــــــ
(1) - حلية الأولياء، أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت، ط4/ 1405هـ (9/ 6) .
(2) - انظر شرح علل الترمذي (1/ 94) .
(3) - مقدمة صحيح مسلم (1/ 12) .
(4) - انظر: العلل ومعرفة الرجال (2/ 448) ، والكامل في الضعفاء (3/ 216) .
(5) - شرح علل الترمذي (1/ 95) .
(6) - عبد الله بن محرَّر قاضي الجزيرة، روى عن نافع والزهري، وعنه عبد الرزاق، وأبو نعيم متروك، من السابعة. قال البخاري: منكر الحديث. ق. التقريب (ص: 320) ، والكاشف (1/ 592) .
(7) - مقدمة صحيح مسلم (1/ 12) .