وقودُ النارِ، بل رباطُ يومٍ في سبيلِ اللهِ خيرٌ من عتقِ ألفِ رقبةٍ، ومن صدقةِ أهلِ الأرضِ جميعًا )) (1) .
ومنهم من كان يتعمّد الوضع ويتعبّد بذلك (2) ، كما ذكر الأئمة عن زكريّا بن يحيى الوَقَّار المصري (3) .
قلت: وغير هؤلاء كثير ممن عرفوا بالزهد والعبادة، وتركهم الأئمة النقاد؛ لأنهم لم يكونوا من أحلاس الحديث؛ بسبب سوء حفظهم للأسانيد، وروايتهم للموضوعات عن قوم ثقات، فوقعوا في الكذب من حيث لا يدرون. وقد قال الإمام يحيى بن سعيد القطان: «ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث» (4) . فهؤلاء قد أدركتهم، أو أصابتهم ـ كما يقول المحدثون ـ غفلة الصالحين (5) ، فوقع منهم الخلط والغلط.
ــــــــــــــــــ
(1) - أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، تح: علي شيري، دار الفكر، بيروت، ط1/ 1998م، (43/ 347) . وفي سنده عبّاد بن كثير الثقفي البصري متروك. قال أحمد: روى أحاديث كذب. من السابعة، مات بعد الأربعين. د. ق. التقريب (ص: 290) .
ويزيد بن أبان الرّقاشي ضعّف عن أنس رضي الله عنه.
(2) - شرح علل الترمذي (1/ 96) .
(3) - زكريا بن يحيى الوقّار المصري أبو يحيى، قال ابن عدي: سمعت مشايخ أهل مصر يثنون عليه في باب العبادة والاجتهاد والفضل، وحديثه كثير بعضه مستقيم، وبعضه ما ذكرت وغيرما ذكرت موضوعات، وكان يُتَّهم الوقّار بوضعها؛ لأنه يروي عن الثقات أحاديث موضوعة، وقال ابن عبد البَرّ: لم يكن من أهل الحديث، وقال ابن يونس: كان يحدث بمناكير، مات سنة (254هـ) .
انظر: الكامل في الضعفاء (3/ 216) ، والاستذكار، يوسف بن عبد الله النمري (ابن عبد البر) ، تح: سالم عطا، ومحمد علي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1/ 2000م. (8/ 448) ، ولسان الميزان (2/ 487) .
(4) - العلل ومعرفة الرجال (2/ 448) .
(5) - قلت: ومعنى غفلة الصالحين: أن الرجل إذا أكثر من الاشتغال بالزهد والعبادة حتى غلبت عليه لم يتفرغ لضبط المرويات، وحفظ الأسانيد والمتون كما ينبغي، فيكثر منه الخلل.
أو يحسن الظن بكل الناس، فيحمله حسن ظنه على الأخذ منهم من غير تمييز، حتى ولو كان هذا الذي أخذ عنه كذابًا أو ضعيفًا.
وممن أدركته غفلة الصالحين: رِشْدين بن سعد أبو الحجاج المصري، قال ابن يونس: كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث. التقريب (ص: 209) .