المطلب الثاني: الاشتغال بالفقه
يمتاز الفقه الإسلامي بقوة البناء، وثبات الأركان، وسعة المصادر والأحكام وتعدد الآفاق، وصلاحيته لكل زمان ومكان، ومن يشتغل بهذا العلم يحتاج إلى سعة اطلاع وشدة متابعة، وقوة استنباط، وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا وبحثًا متواصلًا، ووقتًا مديدًا فالذي تعمق في دراسة الفقه، وجعله أكبر همَه، لم يبق عنده وقت لضبط مروياته ومراجعتها، ومعارضة أحاديثه ومذاكرتها، وكثير من الذين يتخصصّون في فرع من العلوم، ويستفرغون وقتهم وجهدهم فيه، يكون ذلك سببًا لتقصيرهم في بقية العلوم.
وقد تكلم الأئمة النقّاد في بعض الرواة ـ من جهة مروياتهم ـ الذين كانوا أعلامًا في الفقه؛ كحمّاد بن أبي سليمان (1) من كبار الفقهاء، وشيخ الإمام أبي حنيفة (2) ، ومع هذا قال عنه الإمام شعبة: «كان حمّاد بن أبي سليمان لا يحفظ» (3) .
قال ابن أبي حاتم (4) موضحًا مقصود شعبة: «كان الغالب عليه الفقه، وإنه لم يُرزقْ حفظ الآثار» (5) .
ــــــــــــــــ
(1) - حمَّاد بن أبي سليمان مسلم الأشعري مولاهم أبو إسماعيل الكوفي، روى عن أنس وابن المسيّب وإبراهيم. وعنه: ابنه إسماعيل وأبو حنيفة ومسعر وشعبة، ثقة، إمام، مجتهد، كريم، جواد، فقيه، صدوق له أوهام، قال أبو إسحاق الشيباني: هو أفقه من الشعبي، قلت: لكن الشعبي أثبت منه، من الخامسة. رمي بالإرجاء. مات سنة (120هـ) أو قبلها. بخ م4.
التقريب (ص: 178) ، والكاشف (1/ 349) .
(2) - النعمان بن ثابت التيمي الكوفي، فقيه أهل العراق، وإمام أصحاب الرأي، من أبناء فارس رأى أنسًا ولم يثبت له شيء عن أحد من الصحابة، مات سنة (150هـ) . ت. س.
انظر: الجواهر المضية في طبقات الحنفية، عبد القادر بن أبي الوفاء، تح: عبد الفتاح الحلو، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2/ 1993م، (1/ 26) ، والتقريب (ص: 563) .
(3) - الجرح والتعديل (1/ 137) .
(4) - الإمام الحافظ الناقد، أبو محمد، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي، أخذ علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحرًا في العلوم ومعرفة الرجال، ثقة حافظًا زاهدًا، له الجرح والتعديل، والعلل، والتفسير. مات سنة (327هـ) . انظر: تذكرة الحفاظ (3/ 829ـ831) .
(5) - الجرح والتعديل (1/ 137) .