المطلب الثالث: الاشتغال بالقراءات
إنّ القراءات علم من علوم القرآن الكريم، ولها أهميتها البالغة؛ لما جاءت به من فوائد في تنزيل القرآن، وحفظ لغات العرب ولهجاتها، ولزيادة الدّلالة على إعجاز القرآن، فإنها تؤيد بعضها بعضًا (1) .
قلت: وفي العلماء من برع في القراءات وأصبح حجة فيها، إلا أن العلماء لم يحتجوا بهم في الرواية والأسانيد؛ لسوء حفظهم للحديث وشغلهم بغيره، فالقراءات فنّ، والحديث فنّ آخر.
وقد شهد أئمة القراءات لعاصم بن أبي النجود (2) بالإتقان، حيث احتج به في علم القراءات دون الأحاديث؛ لغلبة علم القرآن عليه؛ لأنه صرف كل عنايته واهتمامه إليه (3) .
ونقل الإمام الذهبي في ترجمة أبي عمر الدُوري (4) شيخ المقرئين عن الحافظ الدارقطني قوله: «أبو عمر الدوري، يقال له: الضرير، وهو ضعيف» (5) .
فقال ـ الذهبي ـ معلّقًا على كلام الدَّارَقُطْني: «وقول الدارقطني: ضعيف؛ يُرِيد في ضبط الآثار، أمّا في القراءات فثبت إمام ... » .
ــــــــــــــــــ
(1) - علوم القرآن الكريم، د. نور الدين عتر، مطبعة الصباح، ط6/ 1996م، (ص: 154) .
(2) - عاصم بن بهدلة، وهو ابن أبي النجود الأسدي، وبهدلة اسم أبيه على الأصح. مولاهم الكوفي، أبو بكر المقرىء. صدوق له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيحين مقرون. من السادسة، مات سنة (128هـ) . ع. وقال الدارقطني: في حفظه شيء، وقال النسائي: لا بأس به. انظر: الجامع لأخلاق الراوي (2/ 79) ، والتعديل والتجريح (3/ 994) ، وتهذيب التهذيب (5/ 35) ، والتقريب (ص: 285) .
فالبخاري ومسلم لم يقبلا له رواية تفرد بها، وليس له متابع، أما إذا توبع فحديثه حسن، وإذا تفرّد فهو ضعيف.
(3) - الجامع لأخلاق الراوي (2/ 194) .
(4) - حفص بن عمر بن عبد العزيز أبو عمر الدوري، المقرىء، الضرير الأصغر، صاحب الكسائي. مقرىء العراق. كتب عنه أحمد. لا بأس به من العاشرة. مات سنة (246هـ) . ق.
الكاشف للذهبي (1/ 342) ، والتقريب (ص: 173)
(5) - سير أعلام النبلاء (11/ 541) .