المطلب الأول: احتراق الكتب
هناك عدد من الرواة الذين كانوا يعتمدون على كتبهم فلما احترقت، ضُعِّفَتْ رواياتهم؛ لكثرة أخطائهم وأوهامهم بسبب سوء حفظهم.
منهم: الفقيه القاضي عبدالله بن لهيعة الحضرمي الذي كان حافظًا لكتبه متقنًا لها وكان دائمًا يرجع إليها فهي عونه وسنده.
قال الإمام أحمد بن حنبل: «ابن لهيعة أجود قِرَاءة لكتبه من ابن وهب» (1) . وكان لا يرى الاحتجاج بحديث عبدالله بن لهيعة، ومع ذلك كان يكتب حديثه فلما قيل له في ذلك قال: «وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب أعتبر به، وهو يقوي بعضه بعضًا» (2) .
أما تاريخ احتراق كتب ابن لهيعة: فقد كان سنة (169هـ) ، أو (170هـ) . عن الإمام أحمد، عن إسحاق بن عيسى (3) قال: «احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين، ولقيته سنة أربع وستين، ومات سنة أربع وسبعين، أو ثلاث وسبعين» (4) .
وعن الإمام البخاري عَنْ يحيى بن بكير (5) قال: «احترق منْزل ابن لهيعة وكتبه في سنة سبعين ومئة» (6) .
ولم يكن مثل ابن لهيعة في مصر؛ من حيث كثرة الحديث وضبطه وإتقانه، ولكنه بعد احتراق كتبه أخذ يحدث من حفظه فخلط، وحدّث بالمناكير فخرج عن حدِّ الاحتجاج به، وسماع الرواة الذين سمعوا منه قديمًا صحيح، ومنهم العبادلة (7) .
ــــــــــــــــــــ
(1) - تهذيب الكمال (15/ 495) .
(2) - المصدر السابق (15/ 493) . قلت: كانت كتابة الحديث للاعتبار به أمرًا شائعًا بين المحدثين. قال الثوري: إني لأكتب الحديث على ثلاثة وجوه: فمنه ما أتدين به، ومنه ما أعتبر به، ومنه ما أكتبه لأعرفه. الجامع لأخلاق الراوي (2/ 193) .
(3) - إسحاق بن عيسى بن نَجيح البغدادي أبو يعقوب بن الطبَّاع. سكن أَذَنَة. صدوق من التاسعة مات سنة أربع عشرة، وقيل بعدها بسنة. م ت س ق. التقريب (ص: 102) .
(4) - انظر: الجرح والتعديل (5/ 146) ، وتهذيب الكمال (15/ 493) .
(5) - يحيى بن عبدالله بن بُكَيْر المخزومي، مولاهم المصري. ثقة في الليث، وتكلموا في سماعه من مالك. من كبار العاشرة. مات سنة إحدى وثلاثين، وله سبع وسبعون. خ م ق. التقريب (ص: 592) .
(6) - تهذيب الكمال (15/ 496) .
(7) - كان ابن المبارك، وابن وهب، يتتبعان أصول ابن لهيعة، ويكتبان منها. الجرح والتعديل (5/ 147) .