الصفحة 102 من 203

كان حضورها أُمنية يتمنّاها ليعوّض حاجته لوجود المرأة بقربه، ومع ذلك فهو راضٍ بذلك الطيف الذي يستحيل تحقيقه ويتمنى أن لايرحل عنه.

أمّا طيف عبلة فكان يُراوده في اليقظة والمنام، ولعلّه كان أكثر الشعراء إستحضارًا لخيال محبوبته، لأنه عاش محرومًا من قُربها ولم يلق منها ومن أهلها سوى الصدود، فبلغت به حالة الحرمان والشوق أنّه راح يتوسّل بذلك الطيف ويسأله أن يزوره ويؤنسه، فيقول: (1)

سأُضْمِرُ وجدي في فُؤادي وأكْتُمُ ... وأسْهَرُ ليلي والعواذِلُ نُوَّمُ

وأرجو التَداني مِنْكِ يابنةَ مالكٍ ... ودون التداني نارُ حَربٍّ تُضَرَمُ

فمُنِّي بطيفٍ من خيالكِ و اسْألي ... إذا عادَ عنّي: كيف باتَ المُتيّمُ؟

وإن سمحت لخيالها بزيارته ولو مرّةً في الشهر لكان كرمٌ منها ويكفيه إطفاء نيران أشواقه، فحملت بذلك أيقونة الطيف دلالة العجز العاطفي والحرمان، يقول: (2)

أيا عَبْلُ لو أنّ الخيالَ يزُورَنِي ... على كُلِّ شَهْرٍ، مَرَّةً، لكفاني

ونجد لخيال الطيف حضورًا عند عروة بن الورد نتيجة طبيعية لحالة التشرّد والصعلكة التي يعيشها، فأصبحت المرأة لديه حلما مفقودًا شأنه شأن بقية الصعاليك، إذ يسعى لبلوغه ولو في عالم الخيال للخروج من حالة التشرّد والتشتت النفسي الذي يُعاني منه من خلال إستحضار

(1) الديوان: 125. ... (2) المصدر نفسه: 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت