الصفحة 139 من 203

لافتة واحدة، وإصدار حكمٍ يصدق على جميع النماذج، فالمقدّمات الطللية تحمل دلالات مُتعدّدة تتبع الوضع النفسي والعاطفي للشاعر لحظة النظم، فالشعراء الجاهليون"وقفوا على تلك الأطلال، وهم يعلمون أنّها صمّاء لا تعي ولا تتكلّم، ولا تجيب ومع هذا يقف عليها ويخاطبها؛ ليفرغ تلك الشحنة من العواطف والأحاسيس" (1) .

وبالنسبة لدراستنا سنتناول فيها الطلل بوصفه علامة مكانية تحتوي على دلالات مُختلفة يُمكننا التوصّل إليها من خلال نصوص الشعراء الفرسان.

عندما نطالع وقفة عنترة الطللية نلاحظ أنّها تُمثّل لحظة عميقة من لحظات الألم، فخيّم الصمت على المكان، وغمر الحزنُ الشاعر، فرأى كُلّ شيء حوله صامتًا بلا حراك، يقول: (2)

هَلْ غَادَرَ الشُعَراءُ من مُتَرَدَّم ... أم هَلْ عَرَفْتَ الدارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ

أعياك رسم الدار لم يتكلّم ... حتى تكلّم كالأصم الأعجم

وكأنّنا نلمح في أبياته تلك ثورة على الأطلال الصامته الصمّاء، فهي لا تسمع ما يقوله ولا تُجيب عليه، وإن أطال وقوفه فيها، فلا يجد سوى التعب والإعياء من ذلك الصمت الثقيل، وفي محاولةٍ منه لتخفيف ذلك الألم راح يستعين بالحبيبة ومتعلّقاتها: إسمها، دارها، الأثافي السود التي إستعملتْها يومًا ما، كأنّه يُحاول أن يبلغ من خلالها نوعًا من الإستقرار

(1) مقدّمات القصائد العشر (المعلّقات) وعلاقتها بالتجربة الشعرية، د. بهجت عبد الغفور الحديثي، مجلة الآداب ـ جامعة بغداد، ع 72، 1426هـ ـ2006م: 31. ... (2) الديوان: 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت