"ما يُمكن تسميته بالمكان الرديف كُلّه وهو ذاته لم يثق بأيّ مكانٍ خارجي". (1) فيحاول خلق نوع من التفاؤل داخل نفسه المتشائمة المقهورة، فنجده يصف مكانًا خياليًا، روضة ً غنّاء ليس لها وجود في الحقيقة، في محاولة منه للخروج من حالة اليأس والإستسلام، فوصفها بأروع الأوصاف التي ترمز إلى وجود الحياة من نباتٍ وأمطار صيفية هادئة لطيفة، فهي روضة هادئة خصبة لم تطأها قدم مسبغًا أوصاف الحبيبة و صورتها و طيبها عليها، فكلّ ذلك يُمثّل إنعكاسات نفسية، لمُعاناة الشاعر من قساوة البيئة وبُعد الحبيبة والحاجة إليها، فهو يسعى إلى وجود عالم مثالي لن يكون في مجتمعه فيحاول أن يفسح له مجالًا في ذاته المتمرّدة على المجتمع، يقول: (2)
أو روضةٍ أُنُفًا تضمّن نبتُها ... غيث قليل الدمن ليس بمُعلم
جادت عليها كُلُّ بكرٍ حُرّةٍ ... فتركْن كُلّ قرارة كالدرهم
سحًّا وتسكابًا، فكلّ عشيّةٍ ... يجري عليها الماء لم يتصرّم
وخلا الذُباب بها، فليس ببارحٍ ... غردًا، كفعل الشارب المترنّم
فضلًا عن ثورة عنترة على الأطلال التي تصدرتْ مُقدّمات بعض قصائده، نجد في بعضها الآخر إختفاء المُقدّمات الطللية، شأنه شأن بقية الشعراء الفرسان لتحلّ محلّها مقدّمة فروسية.
أمّا عروة بن الورد فيوظّف صورة المرأة العاذلة الخائفة على مصير زوجها الباكية على فراقه في معظم مقدّمات قصائده بديلًا عن المقدّمة الطللية، ولعلّ رفضه للمقدّمة الطللية وخروجه
(1) الخيال الشعري في القصائد العشر الطوال، د. عمّار حازم العبيدي، (أطروحة دكتوراه) ،كلية الآداب ـ جامعة الموصل، 1426هـ ـ 2005م:149. ... (2) الديوان: 56.