فئة معيّنة في المجتمع فقد كان معظم العرب فرسانا بإختلاف طبقاتهم الإجتماعية، فالفروسية هي التي تمنح معتنقيها المنزلة الرفيعة والمكانة السامية في المجتمع (1) . ولم تمنح القبيلة الفارس تلك المنزلة إلاّ لما يتحلى به من صفات تجعله أهلا للثقة ومحط الأنظار والإعتزاز والتقدير، ومن تلك الصفات، أن يكون حاذقا ًفي ركوب الخيل وإستعمال السلاح، وفنون الإغارة، وأن يكون همّه إغاثة الملهوف وإجارة المظلوم لا إحراز الغنائم، وأن يكون فصيح اللسان بليغًا فيكون إما شاعرًا أو خطيبًا وأن يتجنّب فاحش القول وبذيئه، وأن يكون عفيف النفس ملتزما بالتقاليد والعادات، حليمًا صبورا ًيعفو عند المقدرة كريمًا (2) ، يطعم الجائع ويكرم الضيف (3) .أمّا أهم الأسباب التي دفعت العربي إلى اعتناق الفروسية، فهي فكرة الموت والفناء التي جعلته حريصا على بلوغ الخلود المعنوي من خلال تلك الخصال الحميدة والاتصاف بها؛ لأنه يعلم أنه لا فرار من ذلك المصير المحتوم فليس أمامه سوى مواجهته ببسالة وجرأة. فقد أدّى عامل القحط والجفاف الذي تعاني منه البيئة الصحراوية إلى إنبثاق ظاهرة الفروسية، إذ كان دافعًا لإغارة بعض القبائل على بعض وسلب خيراتها لضمان البقاء، فضلًا عن"شعورالعرب بالضعف أمام قوّة الطبيعة وقسوتها فرض عليهم تقديس القوّة والبسالة". (4) وكذلك حماية القوافل والقبائل من الغارات المعادية ومن قطّاع الطرق (الصعاليك) ، فحملت بذلك الفروسية بُعدين: الأول: البقاء وإستمرار الحياة، رغبة تسيطر على نفوس الجاهليين ولاسيّما أنهم لم يعرفوا حياة أخرى غير التي يعيشونها لذلك حرصوا
(1) يُنظر: البطل في التراث، د. نوري حمَودي القيسي، العراق ـ بغداد، ط1، 1988م: 6. ... (2) يُنظر: ديوان عنترة:61،62،63، 75. ... (3) يُنظر: الحياة والموت في الشعر الجاهلي، د. عبد اللطيف جياؤوك، وزارة الثقافة ـ بغداد: 234. ... (4) النابغة الذبياني مع دراسة للقصيدة العربية في الجاهلية، د. محمد زكي العشماوي، بيروت، 1980م:12.