الصفحة 16 من 203

على استمرارها أطول مدّة ممكنة وسط هذه البيئة القاسية التي تنذر كلّ من فيها بالفناء، والثاني، الخوف من الفناء والإيمان بحتميّة وقوعه واليأس من بلوغ الخلود المادي فحرصوا على إيجاد البديل الذي يتمثّل بالخلود المعنوي، وكانت الوسيلة لبلوغ ذلك الفروسية بما تحتويه من صفات إنسانية وأخلاقية نبيلة، لأنها قبل أن تكون دقّ أعناقٍ وسفك دماءٍ كانت شهامة ومروءة.

لم يكن اختيارنا لهذه النماذج من الشعراء إختيارًا عشوائيًا، فقد حرصنا على أن يكونوا من طبقات إجتماعية مختلفة فكان فيهم السيّد، والأسود، والصعلوك، وفيهم من طبقة العامة من أبناء القبيلة، وهذا لا يعني أنّ هؤلاء هم من يُمثّل الفروسية في العصر الجاهلي فقط، فالجزيرة العربية أنجبت فرسانًا كثرًا قد لا يتّسع المجال لذكرهم وإن تحدّثنا فسيطول الحديث عنهم، ولكن يتوّجب علينا ذكر بعض هؤلاء الفرسان، وهم: قيس بن زهير، وعمرو بن كلثوم، وعمرو بن ودّ العامري، والأعشى، وزيد الخيل، والمهلهل بن ربيعة، وخفاف بن نُدبة، ودريد بن الصمّة، وعمرو بن معد يكرب، وبشر بن أبي خازم، وآوس بن حجر، والعبّاس بن مرداس ... ومن الصعاليك، عمرو بن براقة، وعبدة بن الطبيب، والأعلم الهذلي، وعمرو بن عجلان، وحاجز بن عوف الأزدي، وأبو خراش الهذلي، وأبو الطمّحان القيني ... .

ثمّة فرق بين الفروسية والصعلكة يتطلّب الأمر الوقوف عنده ليتسّنى لنا بيان الإختلاف بينهما، فـ (الصعلكة) ، معناها الفقر والصعلوك الفقير الذي لامال له. (1) وكانت تُطلق صفة الصعلكة على فقراء القوم وخلعائهم واللصوص وقطّاع الطرق الذين إختاروا اللجوء إلى الجبال والأراضي المقفرة لإهدار دمهم من قبل القبيلة لجرائم إقترفوها، أوهربًا من أهل المقتول ومشكلة الثأر التي تُطاردهم

(1) لسان العرب مادَة (صعلك) :350.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت