الصفحة 154 من 203

بالنفس والكبرياء، واللامبالاة تجاه الزمن وفعله، فيحرص الفارس الصعلوك عروة بن الورد على التمسك بصورة الفارس الصلب الذي لاتثنيه الشيخوخة عن خوض الحروب جاعلًا من حديثه مع العاذلة وسيلة لبيان ذلك، فيقول: (1)

سأُغنيكِ عَنْ رجعِ المَلامِ بِمُزْمِعٍ ... مِنَ الأمْرِ لا يَعْشُو عَلَيهِ المُطاوعُ

لَبُوسٍ ثِيابَ المَوْتِ حتّى إلى الذي ... يُوائِمُ إمّا سَائِمٌ أو مُصَارعُ

يُدَعُّونَني كَهْلًا وقد عِشتُ حِقْبَةً ... وهُنَّ عَنِ الأَزْواجِ نَحوِي نَوَازِعُ

فما شابَ رأسِي من سِنينِ تَتَابَعتْ ... طِوالٍ، ولكنْ شَيَّبَتْهُ الوَقائعُ

تبدو محاولات الشاعر واضحة في دفع هواجس الخوف من الشيخوخة، عن طريق الفخر بقوّته وقدرته على القتال مع تقدّم سنّه، كما يحاول إغتنام الفرصة لإسترجاع صورة الفارس الفتي الذي تتنازع عليه النساء تاركات أزواجهنّ من أجله، كما حملت لوحة الشيب السابقة دلالة الفخر بإكتساب التجارب من الحروب الكثيرة التي خاضها في حياته الماضية. ونجد مثيلًا لذلك الإحساس لدى عامر بن الطفيل الذي واجه الموت منذ مراحل حياته الأُولى إلى أن غزا الشيبُ رأسه، فيقول مُفتخرًا: (2)

رَهِبْتُ وما مِن رَهْبَةِ الموتِ أجْزَعُ ... وعَالَجْتُ هَمًَّا كُنْتُ بالهَمِّ أُولَعُ

وَليدًا إلى أن خَالَطَ الشَّيبُ مَفْرَقي ... وألبَسَنِي مِنْهُ الثِّغَامُ المُنَزَّعُ

(1) الديوان: 67 ـ 68. ... (2) الديوان: 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت