تعريفه للشعر، فقال:"إنّما الشعر صناعة و ضربٌ من النسج وجنس من التصوير" (1) ، وقد أورد الجرجاني مصطلح الصورة في قوله:"وإعلم أنّ قولنا الصورة إنّما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا فلمّا راينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصورة فكان بين إنسان من إنسان وفرس من فرس بخصوصية تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك" (2) .
يتضح لنا في قول الجرجاني إشارة إلى الصورة الذهنية وهو في ذلك يُقارب آراء المحدثين إذ لم يكن لدى القدماء سوى الصورة البيانية المعتمدة على التشبيه والإستعارة والكناية، أما المحدثون فقد أضافوا إليها ما تخلقه الحواس من صورٍ متعدّدة و لم يشترطوا وجود المجاز لخلق الصور الفنية"فلم تُعدّ الصورة البلاغية هي وحدها المقصودة بالمصطلح، بل قد تخلو الصورة ـ بالمعنى الحديث ـ من المجاز أصلًا فتكون عبارات حقيقية الإستعمال ومع ذلك فهي تُشكّل صورة دالة على خيال خصب". (3) وقد اعتنى المحدثون بوسائل تكوين الصورة الفنية التي تخلقها الحواس إلى جوار الصورة البلاغية على أساس أنّ الحواس"هي وسيلة الإنسان الأُولى في معرفة الأشياء وإدراكها، ومعلوم تصنيف الحواس يختلف بإختلاف أنواعها وطاقتها وأولية بعضها على بعضها الآخر. ويمكن تصنيف الحواس صنفين: يضمّ"الصنف الأول حاستي الذوق والشمّ، وأثرهما في نفس المستهلك مادّي بحت، والثاني يضمّ حواس السمع واللمس والبصر، وأثرهما معنوي أكثر من مادّي، لأن المستهلك لا ينتقص من المستهلك شيئًا عند سماعه أو لمسه
(1) الحيوان: 3/ 132. ... (2) دلائل الإعجاز: 389. ... (3) الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري: 25.