الصفحة 168 من 203

للحزن و الشؤم، يقول: (1)

فيها إثنتانِ واربعون حلُوبَةً ... سُودًا، كخافيةِ الغُراب ِالأَسْحَمِ

فَصِغَارُها مِثْلَ الدُّبى وكِبَارُها ... مِثْلُ الضَفَادِع في غديرٍ مُنْعَمِ

كما هو معروف أنّ لأجواء اللوحة وألوانها علاقة وطيدة بذات الشاعر ووضعه النفسي الذي يُعاني منه لحظة النظْم، وتُظهر الأبيات السابقة بشكل واضح الوضع النفسي المتأزّم للشاعر، إذ جعل من اللون الأسود خلفية بارزة لتلك اللوحة الكئيبة، لتحمل بُعدًا إيحائيًا خاصًا بلون الليل الأسود، وشبّه نياقهم بالغربان السوداء، ولا يخفى ما للغربان من دلالة التشاؤم والفراق، فلم تخلو منها لوحة ظعن جاهلية إلاّ نادرًا. وجعل من تلك النياق النحيلة الضئيلة مُشبّهًا صغارها بصغار الجراد الضعيفة التي لا تقدر على الحركة وسيلة للتعبيرعن حالة الحنق والإحتجاج تجاه تلك البيئة القاسية، فمنحت تلك الصور التشبيهية النص مسحةً من الحزن إضافية. ومن الصور الفنية التشبيهية الأُخرى التي أبدع فيها عنترة وقد حملت بُعدًا إيحائيًا مُمّيزًا يتعلّق بمكبوتات الشاعر الداخلية، صورة الذباب المترنّم التي رسمها في قوله: (2)

وخلا الذُبابُ بِهَا، فَلَيْسَ بِبَارِحٍ ... غَرِدًَا، كَفِعْلِ الشَارِبِ المُتَرَنِّمِ

هَزِجًَا يَحُكُّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ ... قَدْحَ المُكِبِّ على الزِنَادِ الأَجْذَمِ

حين صوّرعنترة نشوة الذباب المترنّم لم يُكمل تلك الصورة المُشرقة إلاّ بصورةٍ أُخرى حزينة لرجل أجذم اليدين لايستطيع الجمع بينهما، وصورة السكران المترنّم الذي لا يُفهم ما يقوله

(1) الديوان: 55، الخافية: الريش وسط الجناح في ما يلي الظهر. ... (2) الديوان: 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت