الصفحة 169 من 203

وكأنّه لاجدوى من ذلك الغناء الذي لا يُُطرب أحدًا، فكانت النتيجة العودة مرّةً أُخرى إلى ذاته ... الحزينة المُتألمة من خلال الصورة الكُلّية التي ابتدأها بصورٍ جزئية لتلك الروضة الغنّاء بأشجارها وعطورها وأمطارها وذبابها، وختمها بصورة"رجل أجذم رفسته الحياة، ولا يزال مُمسكًا بأذيالها مكافحًا من أجل البقاء فتخونه يداه" (1) . وقد طغت الصورة السمعية على أبيات اللوحة وقد ساعدت في ذلك الألفاظ التي وظفّها لأداء ذلك اللون منها (غردًا، المترنّم، هزجًا، قدْح المُكبّ) وقد إتسمت تلك الأفعال بالإستمرارية والتتابع بحركة الأفعال المستمرّة تلك. ويُسبغ عنترة على فرسه صفاتٍ أُسطورية بتشبيهه لها بالحيوانات الخيالية، يقول: (2)

نأتي الصَريخَ على جِيادٍ ضُمّرٍ، ... خُمْصِ البُطونِ كأنّهنَّ سَعالي

جعل عنترة من فرسه وحشًا أُسطوريا من خلال الصورة التشبيهية البصرية الحركية فسرعتها ورشاقتها التي تُرهب الأعداء تُضاهي قوّة الوحش، ومن ثمّ يحمل فرسانها الصفات الأُسطورية نفسها، لأن الفرسان وجيادهم شيءٌ واحد.

جعل التشبيه من الصورة الفنية أكثر قربًا إلى النفس وأكثرها فهمًا للذهن، كما أنّه الأكثر إستعمالًا في الشعر العربي وأقربها تناولًا للواقع.

ـ الصورة الكنائية:

الكناية من الأساليب البيانية التي تقوم على ترك التعبير الصريح وإستعمال التلميح و"هي ترك التصريح بذكر الشيء الى ذكر ما يلزمه لينتقل من"

(1) دراسات نقدية لبعض الشواهد البلاغية، د. بهيجة باقر الحسني، دار الحرية، 1975م: 8. ... (2) الديوان: 207.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت