على الأغنياء. (1) من هنا أصبح الصعاليك حاقدين على ابناء الطبقة المترفة، متمرّدين على مجتمعهم الظالم لهم، فخلق لديهم ذلك عقدًا نفسية، تركتها المعاملة السيئة تجاههم ونبذهم من أقرب الناس لهم، فقابلوهم بالتمرّد والسلب والنهب والقتل بوصفها ردود أفعال مناسبة تجاه القبائل التي خلعتهم. (2) لذا فقد قطعوا الروابط الإجتماعية مع أقاربهم وقبائلهم. وأطلق الدكتور يوسف خليف على هذه الظاهرة بـ"ظاهرة ظاهرة التحلّل من الشخصية القبلية"، (3) فلم يعدّ الشاعر الصعلوك لسان قبيلته المعبّرعن معاناتها، الصادح بأمجادها، بل أصبح همّه تصوير معاناته الفردية بشكل خاص ومعاناة رفاقه الصعاليك بشكل عام؛ لأننا نعلم أن الجاهلي إجتماعي بطبعه ولا يستطيع الإنفصال عن الجماعة. (4) فأضحى هَمّ الصعلوك إقامة مجتمع جديد يقوم على المساواة والتكافل الإجتماعي بغضّ النظر عن الإنتماء القبلي والطبقي فلا فروق تذكر بين أفراد الجماعة الصعلوكية، وعلى الرغم من فقرهم وجوعهم إلا أننا لم نعثر بينهم على خادم أوراعٍ وهذا ما يدلّ على رفضهم تمامًا لفكرة العبودية التي تشجع على تأكيد الفوارق الطبقية بين أبناء المجتمع الواحد، وهو مايخالف نظرتهم في إقامة مجتمع متساوٍ في الوجود الإنساني، فلا وجود لمفردتي السّيد والخادم في قاموس الصعاليك، فوجدوا في السلب حقًا مشروعًا لهم من أجل العيش بكرامة بعيدًا عن الذلّ وإستعباد الأغنياء. وراح الصعاليك يفخرون بجوعهم وفقرهم؛ لكونه بديلًا لديهم عن حياة الذلّ والخضوع، فكانت حياة الرعاة الخاضعة، الراضية بواقعها الظالم في نظرهم
(1) يُنظر: الحياة العربية في الشعر الجاهلي: 300 ـ 301. ... (2) يُنظر: المفصَل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي، ج 9:602. ... (3) الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، د. يوسف خليف، دار المعارف ـ القاهرة، ط3، 1978م:276.
(4) يُنظر: المصدر نفسه: 276 ـ 277.