فإن تكٌ أُمّي غُرابيةً ... من ابناء حامٍ بها عبتني
فإنّي لطيفٌ ببيض الظُّبى ... وسُمْر العوالي، إذا جئتني
جعل عنترة البديل لذلك السواد شجاعته التي اشتمل عليها بحدّ السيف القاطع وبالطعن بالرماح العوالي فأصبح أشجع الفرسان وأشدّهم، فكانت الفروسية هي الوسيلة التي يسعى بها الى انتزاع حرّيته و نسبه، و مع ذلك لم يشأ أبناء قبيلته تجاهل لعنة السواد التي أُبتُلي بها، فظلّت تسمية (ابن السوداء) تطرق مسامعه حتى عندما يرجع مُنتصرًا من المعركة، فلازمه الإحساس بالمرارة حتى إصطبغت به شخصيته وأفكاره وأشعاره التي لم تفارقها نبرة الحزن والألم (1) ، فأصبحت من سمات شعره البارزة حتى عانى ما عانى من ذلّ وتحقير من قبل أبناء القبيلة لكن ذلك لم يؤثر فيه إلاّ إيجابًا فأصبح من أشجع فرسان العرب والصقهم بمكارم الأخلاق وأشعرهم، وسعى دائمًا إلى إثبات كيانه وتعويض ذلك النقص الذي سعى الآخرون إلى زرعه في داخله، وتأكيد وجوده وبناء على ذلك نجد عنترة يرفض الذلّ والعبودية، وأخذ يصدح بالحرية، حتى طغت السمة الذاتية على أشعاره واظهار محاسنه عسى أن تمحو أثر ذلك السواد الذي يراه الآخرون عيبًا، لذلك تميّز حديثه عن الذات"بنزعة إبائية وتجسيد للسمات الإنسانية التي لا تأبه بلون الإنسان أو تقيم إعتبارًا للجوانب الضيَقة فيه". (2) فنراه يفخر بأخلاقه السامية وصفاته النقيّة، التي تمنحه بياضًا معنويًا قد يفتقر إليه الآخرون، فيقول: (3)
تُعيّرُني العِدى بِسَوادِ جلدي ... وبيضُ خِصائِلي تَمحو السّوادا
(1) يُنظر: الشعراء السود وخصائصهم في الشعر العربي، عبده بدوي، وزارة الثقافة ـ مصر، 1973م:22. (2) القيم الإنسانية في الشعر الجاهلي، د. جليل رشيد، مجلة آداب الرافدين، ع7، سنة 1976م: 518. (3) الديوان: 217.