تلك الخصال الخالدة التي عرف بها، حتى بعد مجيء الإسلام كان المسلمون الأوائل يستشهدون بها لأنها قريبة من مبادئ الإسلام مع أنّه شاعر جاهلي لم يُدرك الإسلام (1) حتى روي أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تشوّق لرؤيته لكثرة ما تحدّث عنه المسلمون المعاصرين له في لجاهلية. (2) وهذا دليل آخر على عدم إدراك عنترة للإسلام فلم يلتق بالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، بل وصفه له المسلمون الأوائل، ولم تكن مشكلة عنترة فريدة من نوعها في عصره، فقد عكف الأشراف في الجاهلية على استعباد أبنائهم السود من الإماء ورفضوا عتقهم إلاّ أن يُقدّموا عملًا عظيمًا يكون ثمنًا لفكاكهم من أسرالعبودية، وكان شاعرنا أحدهم إذ كانت فروسيته ثمنًا للتخلّص من تلك العبودية ومن ثمّ الأعتراف ببنوّته. (3)
أماالنموذج الثالث فهو سيّد قومه عامر بن الطفيل العامري ويُعدّ من سادات أقوى قبيلة في الجزيرة العربية وهي قبيلة بني عامر من هوازن، وكانت كثيرة الحروب والعداء مع القبائل الأخرى منها غطفان، ومذحج، وتميم، وشيبان، وعبد القيس، وقبائل مُتعدّدة أخرى، (4) لذلك نجد معظم شعره في الحرب والإغارة والفخر والاعتداد بنفسه وبفرسان قبيلته والحط من قدر القبائل الأخرى، ولا نجد له نسيبًا وغزلًا، بل كان شعره حربيًا خالصًا، ومع ذلك لا يمكننا الجزم بعدم إجادته في أغراض شعرية أخرى، أو أنّه لم ينَلْ إهتمام النقاد قديمًا وحديثًا لكنّه كان مبرّزًا
(1) إعتقد بعض المستشرقين إدراك عنترة للإسلام لورود كثير من المصطلحات الإسلامية في أشعاره، لكنَ أكَد المؤرخون على أنَه توفي عام (615) م أي قبل ظهور الإسلام بسبع سنوات، لكن أخلاقه وعفّته كانت من باب الطهارة والترفّع. ... (2) الديوان:10. ... (3) يُنظر: دروس ونصوص في قضايا الأدب الجاهلي: 369 ـ 370. ... (4) يُنظر: ديوان عامر بن الطفيل:28، وينظر:49.