وتفتتهم بقوّتها الطاحنة. (1) فكان إستعماله للمفردات (الرحى، الشرارة، اللظى) يقابل في المعنى (الحديد، والحجر، والشدّة) ، فلا الرحى أو الشرارة أو اللظى تؤثر فيه فهو بطل شديد وبالتالي من يُنكر ذلك ويجحد بطولته وشجاعته دون أن يتراجع عن مواجهته سيسحقه ويفي بوعوده التي قطعها دون أن يثنيه عن ثورته وتنفيذ وعيده شئ إلاّ بتحقيق أحد الأمرين: أمّا أن ينال مراده بنيل لقب الفارس الذي سيفخر به في كل زمان ومكان لا بنسبه، وأمّا أن يكون قتيل الحرب والسيوف فينال الفخر بأن يُصرع مصرع الأبطال في ساحة القتال وهو ما يسعى إليه الفرسان، فكان التهديد مجالا آخر للفخر الذاتي من جهة ومحاولة إحباط الخصم من جهة أخرى، فجاء تهديد عنترة ليمثّل ثورته التي سعى إلى تحقيقها على مجتمعه الرافض لإنتسابه إليه، فأتخذ عنترة من ذلك"وسيلة للإعلاء النفسي ومحاولة لجذب الأنظار اليه، وتأكيدًا لشخصيته الفردية في مواجهة الذين يعملون على طمس هذه الشخصية، وكذلك يمكن أن نرى فيها نوعًا من الانتقام من المجتمع"، (2) ويُمكننا أن نلتمس ذلك بوضوح في تهديده للنعمان بن المنذر، إذ يقول: (3)
لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسبٌ، ... يوم النزال، إذا ما فاتني النسبُ
إن كنت تعلم يا نُعمانُ أنّ يدي ... قصيرةٌ عنك فالأيَامُ تنقلبُ
اليوم تعلمُ يا نُعمانُ أيَ فتى ... يلقى أخاك الذي قد غرَهُ العُصبُ
يبدو أن مشكلة السواد لا تفارقه حتى راح يفخر بذلك السواد جاعلًا منه نسبًا له ومدّعاة لفخره
(1) يُنظر: الطبيعتان الحية والصامتة في الشعر الجاهلي، د. بهيج قنطار، منشورات دار الآفاق الجديدة ـ بيروت، 1406هـ ـ 1986م:363. ... (2) الشعراء السود وخصائصهم في الشعر العربي:250. ... (3) الديوان: 151.